يعترف المرء للإعلام الإسرائيلي بأنه الأكثر جرأة عالمياً في فضح ساسته. وحدها الرقابة العسكرية تمنعه من كشف كل ما يعرف. مع ذلك، كل التعليقات تشير اليوم إلى خسارة الحرب على غزة. ران ايدليست، المعلق العسكري في «معاريف»، يتحدث عن «فشل سياسي وعسكري واستخباري». آفي سخاروف، معلق القناة العاشرة، يتهم الحكومة بسوء التقدير. المعلق يوسي فيرتير يحذر من انهيار معنويات المجتمع الإسرائيلي بسبب الخسائر الكبيرة في صفوف الجيش. آخرون دعوا إلى لجنة تحقيق لمعرفة أسباب هذه «الكارثة العسكرية» في غزة.


ما هي إذاً أسباب الحرب؟

أولاً: ذريعة الانتقام للمستوطنين الإسرائيليين الثلاثة الذين خُطفوا وقُتلوا كانت كذبة. فضحت بعضها القناة الألمانية الثانية في تحقيق خطير يؤكد أن قاتل هؤلاء هو مدني، وأن وراء القتل أطماعاً مادية بحتة. أكد التحقيق أيضاً أن الاستخبارات الإسرائيلية كانت على علم بالأمر وأن نتنياهو طلب عدم الكشف عن شيء قبل شن الحرب على غزة.
ثانياً: تبين أن جهاز الشاباك والاستخبارات الإسرائيلية مخترقان بقيادات صهيونية متطرفة. بين هؤلاء رئيس جهاز الشابك، وهو معروف بتطرفه وميله إلى الحرب، ونائبه هو مستوطن متدين وكاره للعرب، إضافة طبعاً إلى بعض الوزراء وأبرزهم وزير الخارجية الذين يجمعون التطرف إلى الغباء السياسي.
ثالثاً: جاءت الحرب في أسوأ مراحل العلاقة الأميركية الأسرائيلية بعد فشل مفاوضات الحل النهائي. سعت إسرائيل إذاً إلى إحراج إدارة باراك أوباما. هنا سؤال طبيعي: «هل استقالة مارتن انديك جاءت بالصدفة؟». هل كان عالماً بالحرب على غزة فأراد عدم تحمل المسؤولية؟ أم استقال تعاطفاً مع إسرائيل التي يؤيدها دينياً وسياسياً وإيديولوجياً؟
رابعاً: اعتقدت إسرائيل أن الإطار العربي والخصومة مع «حماس» سيشكلان لها درعاً دبلوماسية عربية، وأنها في أسواء الأحوال قد تجر إيران وحزب الله إلى شيء من التورط. هذا قد يفسر الدقة الدبلوماسية في تعامل طهران مع الحرب واتصالاتها مع القاهرة مع إعلان دعم غزة.
خامساً: جاءت الحرب لتحرج خصوم الإخوان المسلمين وتعيد تعويم حركة «حماس». كان ذلك واضحاً من سرعة تلقف قطر وتركيا للأمر، وهجوم رجب طيب أردوغان على الرئيس المصري ووصفه بالطاغية. ويكفي أن يقرأ المرء اليوم ما تكتبه صحف الإمارات ضد قطر التي اتهم إعلامها القافلة الإماراتية إلى غزة بالتجسس، ليفهم عمق المشكلة حتى داخل الخليج.
وجد أردوغان نفسه قادراً على استخدام البازار حتى النهاية. فرئيس الحكومة التركي الذي في عهد حزبه نسجت أفضل العلاقات مع إسرائيل، لم يقرر حتى اليوم قطع هذه العلاقات. على العكس تماماً، هو باشر بتصدير نفط كردستان وعلى نحو غير شرعي إلى إسرائيل. صحيفة «ديفانس نيوز» أكدت أن القبة الحديدية الأطلسية في تركيا تعاونت مع القبة الإسرائيلية لاعتراض الصواريخ الفلسطينية. وتصريحات المعارضة التركية واضحة بهذا الشأن ويمكن العودة إليها.
سادساً: جاءت الحرب في مرحلة أكثر العلاقات سوءاً بين حماس والإخوان من جهة، وبين مصر والسعودية وبعض دول الخليج من جهة أخرى. واضح أن إسرائيل أرادت اختبار نيات كل هذه الأطراف، وخصوصاً أنها تعمل على مد جسور كثيرة مع بعضها.
سابعاً: أعقبت الحرب التقارب غير المنطقي، ولكن الضروري الذي حصل بين حماس وفتح، حيث جرى الاتفاق على حكومة موحدة. إسرائيل أعلنت صراحة رفضها لذلك.

ماذا تحقق؟

بعض الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية كادت تتحقق. سارع بعض الإعلام المصري إلى تبني وجهة النظر الإسرائيلية. طرحت مصر خطة رفضتها «حماس». تحركت الآلة السياسية والإعلامية القطرية والتركية لاحتكار حل بعيداً عن مصر. لكن الأميركيين وجدوا أنفسهم في نهاية الأمر في القاهرة، تماماً كما أن أمير قطر وجد نفسه في الرياض. ومحمود عباس وجد نفسه متبنياً خطاباً نارياً ضد إسرائيل. لكنه بدلاً من الخطب يستطيع ببساطة ضم فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية. أليس أفضل؟

ماذا بعد؟

لا بد أولاً من القول إن إسرائيل ما بعد هذه الحرب على غزة لن تكون أبداً كما قبلها. أثبتت هذه الخسائر التي تكبدتها عسكرياً واستراتيجياً، أنها باتت أمام أسئلة مصيرية فعلية حول مستقبلها. ظهرت كدولة مجرمة سفاحة ترتكب المذابح ولا تحقق نصراً. غزة المحاصرة والفقيرة والمختنقة استطاعت أن تكبدها كل هذه الخسائر، فكيف إذا قررت إسرائيل بعد اليوم الدخول مثلاً في حرب ضد حزب الله أو محور المقاومة؟ من المؤكد أن الإسرائيليين الذين تم التقاطهم من كل بقاع الأرض ليخترعوا تاريخاً وحاضراً، ما عادوا يثقون بالقدرات العسكرية لجيشهم، ولا بالدعم الدولي لهم. صورة إسرائيل حالياً سيئة جداً في المجتمعات الغربية. صورة ساستها في الحضيض بنظر شعبهم الخائف لأكثر مرة في حياته. لا بد ثانياً من التأكيد أن ما حصل في غزة أنعش الأطراف الفلسطينية الأخرى حتى داخل الأراضي الخاضعة لإسرائيل وفلسطينيي الـ 48. من المؤكد أن سياسة الإخضاع لم تنجح، وأن الكره ازداد مقابل ازدياد التطرف في الحكومات المتعاقبة وفي المجتمع الإسرائيلي. كرة الثلج ستكبر نحو انتفاضة ثالثة قد تكون حاسمة. لا حل مستقبلياًَ لإسرائيل سوى القبول بدولة فلسطينية مستقلة، أو أنها مقبلة على نمط جديد من المواجهة لا تستطيع تحمله. كان يكفي أن تهدد المقاومة بقصف المطارات حتى شُلت الحركة. لا بد ثالثاً من القول إنّ من الصعب التفكير في أن القاهرة والرياض وبعض دول الخليج الأخرى تريد خروج «حماس» قوية من هذه التجربة. غزة الآن أمام كارثة إنسانية وإعمارية. مئات الشهداء. آلاف الجرحى. مئات المباني والبيوت المدمرة. من سيعيد الإعمار؟ وهل يمكن قطر أو غيرها إرسال أموال ومساعدات مثلاً دون المرور بمصر؟
مهما حصل، فإن مصر ستبقى اللاعب الأهم في الحلول المقبلة. فهل ستقبل بشروط «حماس»، أم تفرض شروطاً أخرى تعيد التوازن إلى داخل غزة نفسها، بحيث يصار مصرياً وأردنياً وخليجياً إلى دعم الأطراف الأخرى وبينها فتح للعودة بقوة إلى غزة وإنهاء مرحلة احتكار «حماس»؟
لا بد أخيراً من السؤال عن مستقبل العلاقة بين «حماس» ومحور المقاومة. كان واضحاً أن إيران وسوريا وحزب الله أعلنوا الوقوف إلى جانب المقاومة في غزة. هل تبادلهم «حماس» بعد الحرب الدعم بموقف إيجابي يسهم في طيّ صفحة السنوات الثلاث الماضية؟ هل يقبلون باحتضانها مجدداً لسحب البساط من تحت أقدام السعودية؟
تستطيع «حماس» أن تقول إن كل صواريخها مصنعة داخلياً، لكن ماذا عن صواريخ «كورنيت»؟ من أين وصلت وكيف؟
بهذا المعنى، لعل حرب غزة ستمهد لسلسلة من الصفقات السياسية على مستوى المنطقة، لكن الأكيد أن إسرائيل تؤكد هذه المرة أنها فعلاً تخسر كل حروب المواجهة، وأنها باتت أوهن من بيت العنكبوت. هي ربحت عام 67 لأنها غدرت بالطائرات المصرية على الأرض، ثم خسرت حرب 1973 حين كانت المواجهة حقيقية. وربحت حرب لبنان عام 1982 بسبب الخيانات التي حصلت والغطاء الإقليمي والعربي والدولي، لكنها مذاك لم تربح أي حرب. انسحبت من لبنان، وخسرت حرب 2006، وخسرت حرب غزة 2008، وها هي الآن تخسر هذه الحرب.
لا بد لإسرائيل إذاً، وللدول الداعمة لسياستها الدموية، أن تفكر مليون مرة بعد اليوم قبل أن تشهر سلاحها بوجه المقاومين، حتى ولو أن النظام العربي قدم لها هدايا كثيرة في هذه الحرب وقبلها.