ضوء أخضر أميركي جديد تلقته قوات الاحتلال الإسرائيلية، هذه المرة على لسان باراك أوباما نفسه، أتى أشبه بتحريض على المضي بالعدوان البري، الذي جدد نظام عبد الفتاح السيسي تملّصه من أي واجب حيال صدّه، مكتفياً بإدانة باردة وبتجديد لمبادرته المشؤومة، رغم المجازر المتنقلة التي أودت بحياة 20 فتى فلسطينياً، أكبرهم لم يبلغ سن الرشد، وبينهم 10 أطفال.


غطاء أميركي مصري لعدو حاول أن يجرب حظه في البر أمس، بعدما أعلن أن الجو والبحر ساحتان رابحتان معه، مع أن مجريات الحرب على غزة في الأيام العشرة الأخيرة أثبتت أن المقاومة الفلسطينية تستطيع منازعته في تلك الساحتين. فلا هو استطاع إيقاف الصواريخ المنطلقة على مدنه المحتلة ولا معرفة كم طائرة استطلاع حلقت فوقه، كذلك لم يستطع اقتحام القطاع عبر الإنزال البحري وتلقى محاولتين لدخول شاطئه.
في البر أيضاً، حيث سقط لإسرائيل قتيل و20 جريحاً كحد أدنى، من دون احتساب دبابة الميركافا التي أعلنت المقاومة تدميرها بمن فيها، هو يريد العمل في اتجاهين: الأول فوق الأرض لمنع الصواريخ أو اعتقال مقاومين لعله يعيد شحن بنك أهدافه من غير المدنيين، والثاني تحتها بحثاً عن الأنفاق الأرضية التي غيرت مجريات المواجهة وجعلته يصف المعركة بأنها «حرب أشباح». أما المقاومة بكل فصائلها الصغيرة والكبيرة، فوجدت في هذا النوع من المواجهة ضالتها، لغايتين: الأولى إيقاع خسائر مباشرة في صفوف جنود الاحتلال، والثانية محاولات الأَسْر التي يعوّل على نجاحها آلاف الأسرى وعائلاتهم.
على هذا النسق، بدأ العمل في عدة محاور من شمال القطاع حتى جنوبه. منذ فجر العملية البرية وقع الإسرائيلي في مصيدة عبوات ناسفة أعدتها له كتائب القسام (حركة حماس) في قرية أم النصر شمال منطقة بيت لاهيا (شمال)، ليعترف بسقوط قتيل له وأربع إصابات، ثم ليعود مصدر إسرائيلي ليفيد في وقت متأخر بأن الجندي مات بنيران صديقة، و11 جريحاً في أسدود بصاروخي غراد أصابا محولاً كهربائياً.


عباس: توافق
مع الأتراك بشأن
ضرورة الاستجابة
للمبادرة المصرية


فابيوس: طلبنا
من قطر المساعدة
في الوصول إلى
وقف القتال

لجأ الاحتلال، بناءً على ذلك، إلى تغطية توغلاته ودخول قواته الخاصة بالنار عبر قصف متعدد من البر والبحر والجو، هادفاً إلى إرباك المقاومين وإجبار العائلات على ترك بيوتها وإخلاء المناطق حتى تصبح مسرحاً مفتوحاً للعمليات العسكرية. مع ذلك، واجهت المقاومة هذا الأسلوب عبر نمطين: الأول استهداف تجمعات الآليات والمدرعات الإسرائيلية بقذائف الهاون إلى ما بعد الخط الحدودي بناءً على معلومات وحدات الرصد والمراقبة، والنمط الآخر كان أسلوب القنص الذي دخل المعركة مبكراً، وذلك بالاستفادة من إطلالة أي جندي عبر الدبابات أو ظهور عناصر القوات الخاصة لتوجيه الرصاص مباشرة إليه في مكان قاتل، وإثر ذلك أعلن الاحتلال إصابة جنديين آخرين جنوب القطاع.
أيضاً، شهدت منطقة الشجاعية شرق غزة محاولات اقتحام أخرى واجهتها المقاومة بقوة، وأفاد شهود عيان بأن الاشتباكات كانت عنيفة جداً، ما منع القوات المتقدمة من إكمال مسيرها، وهو الأمر نفسه الذي تكرر في بيت حانون (شمال) حيث استهدفت المقاومة دبابة بصاروخ مضاد للدروع أوقف باقي المدرعات عن التقدم بعد إصابة الأولى.
اللافت أن هذه العملية البرية لم تنجح في منع فصائل المقاومة من إطلاق نحو 100 صاروخ على المدن المحتلة، وفي مقدمتها تل أبيب وديمونة وأسدود. كذلك أعلنت كتائب القسام التي قال المتحدث باسمها، أبو عبيدة، إن ما فقدته المقاومة من عتاد وذخائر في الأيام الماضية استطاعت إعداد مثله خلال وقت المعركة. وأكد أبو عبيدة، في خطاب متلفز أمس، أنهم مستعدون لخوض معركة طويلة الأمد مع المحتل «ولا يزال الآلاف من مجاهدينا ينتظرون الانخراط في المعركة». وأضاف: «صنعنا ربع مليون قنبلة يدوية حتى يستخدمها الشبان في رجم الإسرائيليين بدلاً من الحجارة»، واعداً الشعب الفلسطيني والعربي «بالاحتفال بالنصر مع الاحتفال بعيد الفطر».
في سبيل تسجيل إنجازات أولية، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف 150 هدفاً ونحو عشرين «إرهابياً»، وأعلن كشفه 13 فتحة لشبكة الأنفاق التي شقتها «حماس». لكن كتائب القسام نفت ادعاء الاحتلال اكتشافه أنفاقاً للكتائب وسيطرته عليها قرب السياج الأمني بين القطاع وإسرائيل. وقالت، في بيان مقتضب، إن «الصور التي نشرها الاحتلال تعود إلى ممرات تحت أرضية حفرت داخل موقع تدريب حدودي لأغراض تدريبية بحتة». وما قد يساعد في تأكيد حديث المقاومة أن الاحتلال تعمد التوغل إلى مواقع تدريب (كعسقلان في بيت لاهيا) تابعة للمقاومة وقريبة من الحدود. كذلك أفادت «القسام» بأن عناصرها استطاعوا الوصول إلى دبابة إسرائيلية وتلغيمها بعبوات «شواظ» لاصقة ثم الانسحاب وتفجير العبوات فيها.

استهداف العائلات

على جانب ضحايا الحرب، أعلنت المصادر الطبية استشهاد 63 مواطناً منذ بدء العملية البرية المحدودة وإصابة أكثر من 200 في مختلف مدن قطاع غزة. من هؤلاء الشهداء عشرون طفلاً وفتى قضى جلهم مع ذويهم في مجازر جراء قصف الاحتلال بيوتهم مباشرة. كذلك أفاد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة بأن المدنيين يمثلون أكثر من 80% من الضحايا.
بناءً على هذه المعطيات، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعاً عاجلاً لبحث الوضع في غزة بناءً على طلب الأردن وتركيا، فيما أعرب الاتحاد الأوروبي أمس عن «قلقه الكبير» حيال التصعيد في غزة، مشيراً إلى أن هذا الأمر يجعل «السعي إلى وقف لإطلاق النار أكثر إلحاحاً من أي وقت».
في السياق، قالت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأنروا) إن عدد الفلسطينيين الذين هربوا من منازلهم في القطاع تضاعف إلى نحو 40 ألفاً خلال 24 ساعة، ما دعاها إلى فتح عشرات المدارس لإيوائهم في عدة مناطق، موضحة أن النازحين «هم سكان المناطق الملاصقة للحدود، وهم الأكثر تضرراً من العملية البرية إن توسعت».

طريق التهدئة

على خط موازٍ للمواجهة، قال الرئيس الأميركي، باراك أوباما، إنه تحدث إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشأن الصراع في غزة، مؤكداً له تأييد الولايات المتحدة «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». وأضاف أوباما، الذي كان يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض أمس، أن «واشنطن وحلفاءها قلقون بشأن مخاطر تصعيد الصراع»، لكنه «يأمل أن تستمر إسرائيل في التصرف بطريقة تقلل الخسائر بين المدنيين إلى أدنى حد». ولفت إلى أنه أبلغ نتنياهو بأن وزير الخارجية، جون كيري، مستعد لزيارة المنطقة.
في السياق، أكد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس من تركيا أن استجابة كل الأطراف للمبادرة المصرية «دون تأخير أمر مهم لوقف شلال الدم». وقال، في مؤتمر صحافي مساء أمس مع نظيره التركي عبد الله غول في إسطنبول، إن هناك «توافقاً مع الجانب التركي بشأن هذا الموضوع»، مضيفاً أن ما طرحه الرئيس غول متفقون عليه تماماً «لأن الهدف والرؤية واضحة، ولا اختلاف بيننا على النصوص».
وذكر «أبو مازن» في الوقت نفسه أن اتصالاته مستمرة مع القاهرة، مشدداً على ضرورة العمل لتثبيت وقف إطلاق النار استناداً إلى المبادرة المصرية. ومضى يتحدث: «طلبنا من المصريين أن يتدخلوا، وبالفعل تقدموا بمبادرة تنطلق أساساً من اتفاق 2012، وتعتمد على وقف إطلاق النار الفوري، ثم التفاوض على كل القضايا، وقبلها الطرف الإسرائيلي، لكن علينا نحن الفلسطينيين أن نقبلها فوراً حتى نضع النقاط على الحروف ونُحرج من لا يريد حقاً وقف القتال».
على الجانب المصري، جددت القاهرة أمس دعوتها إلى هدنة بين إسرائيل وفصائل المقاومة، وذلك على لسان وزير خارجيتها، سامح شكري، في مؤتمر مشترك مع نظيره الفرنسي لوران فابيوس. وقال شكري إنه كثف جهوده لإقناع الأطراف الرئيسية بقبول المقترح المصري لوقف النار، مضيفاً أن بلاده «تأمل أن تؤيد كل الأطراف المبادرة المصرية». لكن الوزير المصري انتقد تصريحات رئيس الوزراء التركي، رجب طيب أردوغان، عن حرب غزة حينما استخدم كلمة «الطاغية» لوصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، منبهاً إلى أنها «تخرج عن المألوف في كل الأعراف الدولية».
في المقابل، قال فابيوس إن بلاده طلبت من قطر المساعدة في الوصول إلى وقف القتال، وهو ما يتقاطع مع مصدر دبلوماسي فرنسي أكد أمس أن باريس طلبت من الدوحة التي تربطها علاقات وثيقة مع «حماس» أن «تستخدم نفوذها لدى الحركة للتوصل إلى وقف الحرب».
(الأخبار، رويترز، أ ف ب، الأناضول)




يوم الأطفال الشهداء

كما الحرب الجوية، لم تجد العملية البرية هدفاً سوى العائلات المدنية، وخاصة الأطفال إلى جانب النساء والمسنين. كان مساء أمس صعباً على الفلسطينيين، إذ بدأت الأخبار تتوارد تترا: استشهاد الطفلين عماد حامد علوان (7 سنوات) وشقيقه قاسم (4 سنوات) بقصف في حي الشجاعية، ثم طفل شهيد وثلاث إصابات في استهداف لحي الشعف. دقائق حتى استشهدت الطفلة سارة محمد بستان (13 عاماً) في حي التفاح، تبعها الطفل رزق أحمد الحايك (سنتان) في قصف لساحة الشوا، وكلها أحياء في مدينة غزة. بعد ذلك اتجه الحقد الإسرائيلي نحو شمال القطاع، فجرت المجزرة الجماعية الرابعة والعشرون بحق المدنيين مع استهداف عائلة أبو جراد في عزبة بيت حانون، ما أدى إلى وقوع ثمانية شهداء بينهم أربعة أطفال وامرأة من العائلة. وإلى ما قبل انتصاف الليل وصل عدد الشهداء إلى 298 من بينهم 67 من الأطفال و24 من النساء و17 من المسنين، في حين أن الباقي من الشباب. ووصل إجمالي الجرحى إلى 2200 كان منهم 637 طفلاً و393 من النساء و88 من المسنين الذين يزيد أعمارهم على 60 عاماً. وقالت وزارة الصحة التي أصدرت الإحصائية إنه جرت 23 مجزرة جماعية بحق العائلات الفلسطينية خلفت وحدها نحو 96 شهيداً.
(الأخبار)