بغداد | تتحول الأنظار رويداً رويداً من العمق العراقي، حيث تدور معارك بين قوات الأمن وتنظيم «الدولة الإسلامية» والتنظيمات المسلحة المتعاونة معه، إلى خطوط التماس الحدودية بين العراق وكلاً من سوريا والأردن والسعودية، بسبب الضغط العسكري على «الدولة» ودخول الطائرات في المعركة، كعامل مساعد إلى جانب الجيش العراقي، ما يضع هذه الدول أمام معضلة انقطاع خطوط المواصلات وإمدادات الطاقة والسلع الاقتصادية المختلفة.


ففي الوقت الذي بسطت فيه كتائب «الدولة» المعروفة بخفة حركتها وسرعة تنقّلها سيطرتها على حدود العراق مع سوريا من خلال وضع يدها على معبر الوليد، غربي بلدة الرطبة (310 كلم غربي الأنبار) في بداية شهر تموز، تسعى إلى إنجاز عسكري يقرّبها نحو الأردن، عبر محاولة إعادة السيطرة على منفذ «طريبيل» على الحدود الأردنية العراقية، ذي الأهمية الاقتصادية الكبيرة للبلدين، بعد انسحاب القوات العراقية منها.
وكانت «الدولة» قد وسّعت نطاق عملياتها باتجاه نقاط التماس الحدودية في معبري ربيعة والقائم، الواقعين على طريق إمداد استراتيجي قرب الحدود مع سوريا، بعد احتلال «الرطبة» في بداية هذا الشهر، ما يشير إلى استراتيجية نوعية في إنجازاتها العسكرية، في العمقين السوري والعراقي، بعد فرض سيطرتها على مناطق حوض نهر الفرات من الرقة (160 كلم شرق مدينة حلب السورية) إلى الفلوجة (60 كلم شمال غرب العاصمة العراقية بغداد)، ومن ثم الانتشار باتجاه الحدود مع كل من الأردن والسعودية.


غرب: احتمال التحشيد الإقليمي لمواجهة خطر الدولة ممكن جداً


وأمام هذه التطورات العسكرية المتلاحقة، فإن تحركين يمكن وصفهما بـ«النوعيين»، عسكرياً وسياسياً، يكشفان امتداداً محتملاً للعمليات العسكرية إلى مناطق جديدة، الأول: تعزيز الحكومة الأردنية لوجود جيشها على الحدود مع العراق، واحتمال حصول اشتباكات أردنية مع «الدولة» لا يُستبعد انتقالها إلى الداخل الأردني، المعروف بغنى حواضنه المؤيدة لهذا التنظيم المسلح.
والثاني: سعي «الدولة» إلى الاقتراب من الحدود السعودية، وقد وصلت فعلاً في نهاية شهر حزيران إلى مسافة تزيد قليلاً على مائة كيلومتر، حيث تزامن ذلك مع إعلان اللجنة الأمنية في مجلس محافظة ذي قار ( 375 كلم جنوبي العاصمة بغداد)، وقتها عن وجود 3000 مسلّح احتشدوا على الحدود السعودية، ويعتزمون دخول العراق عبر الصحراء بين الناصرية والسماوة جنوبي العراق.
إن جدية هذا الخطر الذي تمثله «الدولة» على السعودية تكشف عنه الاستعدادات السعودية، عبر نقلها معدات عسكرية وقطعات عسكرية عند الحدود مع العراق، بحسب ما أورده قائد حرس الحدود السعودي في المنطقة اللواء فالح السبيعي، أول من أمس، كاشفاً عن وصول ما لا يقل عن ألف جندي وألف آخرين من حرس الحدود، وثلاث وحدات طائرات «هيلكوبتر»، لتعزيز المنطقة الحدودية القريبة من مدينة عرعر، منذ تقدم «الدولة» في حزيران. وفي حين لم يفصح المسؤولون السعوديون عن العدد الإجمالي للقوات الإضافية التي أرسلوها إلى الحدود، فإن تخمينات تقود إلى القول إن التعزيزات تصل إلى نحو 30 ألفاً. لكن الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور هاني عاشور يقلل من خطورة «الدولة»، فيشير إلى أن «تنظيم الدولة الإسلامية لن يستمر طويلاً، لأنه يعتمد أسلوب الحرب الخاطفة والانتقال من مكان إلى آخر، وهو ما يحد من قدراته، بسبب تشتت الجهد أمام رغبة عالمية في محاربته، بوصفه قوة لا تمتلك غير المواجهة العسكرية فقط».
وبحسب الكاتب والمحلل السياسي أحمد جبار غرب في بغداد، فإنه «بغض النظر عن قدرة المسلحين المحتشدين على الصمود والبقاء عند الحدود السعودية، فإن كل الاحتمالات مفتوحة أمام التطورات المفاجئة على الأرض، والموازية لفعاليات سياسية توحي باختلاف في وجهات نظر كبيرة حول ما يمكن عمله أمام الانجاز الميداني للتنظيم المسلح على الارض». ويرى غرب أن «احتمال التحشيد الإقليمي لمواجهة خطر الدولة ممكن جداً، بسبب الاقتناعات المشتركة بأن هذا التنظيم سيشعل المنطقة بالحروب والفتن»، مشيراً إلى أن «المشكلة في التعاون المشترك في الحرب على الإرهاب هي أن ردّ فعل كل دولة يرتبط بشكل أساسي بمصالحها وأمنها القومي، بغض النظر عن التهديد الإقليمي العام للتنظيم».
إن تحول مساحات شاسعة من الأراضي في العراق وسوريا، بمحاذاة الحدود الأردنية السعودية، إلى ساحات معارك تسيطر عليها «الدولة» عبر عمليات كرّ وفرّ، مع مسك الأرض حين تسنح الفرصة، يقرّب كثيراً قيام «إمارة إسلامية»، خصوصاً إذا ما استمر العمل الانفرادي للدول تجاه «الدولة»، ما يجعل خيار «العمل المشترك» ضد التنظيم قاب قوسين أو أدنى، بعد تزايد المخاوف من سيطرة هذا التنظيم المسلح على حقول وأنابيب النفط، بعد تمكّنه من السيطرة على معابر الحدود، وما يعنيه ذلك من ضربة للعصب الاقتصادي لتلك الدول.
وعلى الصعيد نفسه، يرى الكاتب العراقي قاسم موزان أن «الأردن كدولة ذات اقتصاد ضعيف يعتمد على المساعدات والهبات الخارجية، سيركّز في (احتمال) المواجهة مع الدولة الإسلامية على عدة عوامل، أبرزها تحويل اقتصاده إلى اقتصاد حرب، وهذا ما لا يناسبه، فيما يمتلك التنظيم الإمكانيات المادية والتسليحية، بالتزامن مع سعيه إلى استنهاض التأييد السلفي الداخلي في الأردن ليكون إلى جانبه».