سيناء | لحظات قاسية مرت عليهم وشعروا خلالها بأن الموت أقرب إليهم من حبل الوريد. كل ما يمكن وصفه من أحاديثهم هو خليط من أصوات صراخ النساء وهلع الأطفال مختلطة بانفجارات عنيفة حولت منازلهم إلى أكوام من الرمال فوقها ذكرياتهم. إنهم ضحايا الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة منذ عشرة أيام.


جزء من هؤلاء وصل مستشفى العريش العام شمال سيناء لاستكمال علاجه، بعد قرار مصري بفتح معبر رفح بصورة استثنائية لإدخالهم. أتوا في سيارات الإسعاف بأعداد محدودة، والأمل يحدوهم في أن يجدوا لدى الأشقاء المصريين دفء الاستقبال وحسن المعاملة، لكن الخذلان كان قدرهم في بلاد حرض إعلامها عليهم كثيرا.
على مقربة من مدخل استقبال مستشفى العريش، يقف الشاب مؤيد حمدان، وهو أول مصاب من ضحايا العدوان يصل المستشفى. كان يتكئ على عكازين، وقال بصوت ممزوج بالانكسار: «بدي حدا يشتري هاد الدوا من صيدلية خارج المستشفى كتبلي اياه الدكتور قبل شوي». مؤيد في الثلاثين من عمره وهو من مدينة خان يونس (جنوبي القطاع) وصل «العريش» نهاية الأسبوع الماضي مصابا بكسر في كاحل قدمه اليمنى، وأجريت له عملية جراحية لتثبيت الكاحل بواسطة مسامير.
هو أيضا أب لثلاثة أطفال أكبرهم لم يتعد الثالثة عشرة. يقول إنه أخرج من غرفة العناية الفائقة بعد إجرائه العملية مباشرة رغم حاجته إلى البقاء فيها. ويضيف لـ«الأخبار»: «أخرجوني بعد إجراء العملية بيوم واحد من غرفة العناية رغم حاجتي إلى الرعاية، ثم وضعوني في غرفة داخلها قرابة 8 مرضى وهي ضيقة وفيها ضوضاء لا تتوقف على مدار الساعة».
ويروي أنه طلب من الطبيب البقاء في العناية، لكن الأخير رده عليه بحدة قائلا: «أنا اللي أقرر أن تبقى أو تغادر لا أنت»، مكملا: «شعرت بألم شديد بعد إجراء العملية، وعندما طلبت من الممرضة أن تحضر لي الطبيب، قالت لي: الدكتور مش فاضيلك، أنت عايز كل ما تطلبه ييجي يقف على راسك». مع اشتداد الألم أكثر وتعالي صرخاته، يذكر أن الطبيب أنه جاءه وكتب له أحد الأدوية، لكنه عندما طلب من الممرضة أن تحضره له من الصيدلية أخبرته بأنه غير متوافر في المستشفى، وعليه إحضاره من الخارج، لذلك كان واقفا على الباب ليرى من يمكنه مساعدته في ذلك.


حراس الأمن
يأخذون أجرة على
جلب الأدوية للجرحى من الصيدليات

أما عن قصة إصابته، فيحكي أن الجيش الإسرائيلي قصف بيت جاره، فأسرع هو لإخلاء منزله وإنقاذ زوجته وأولاده الثلاثة، لكنه عاد ليحضر أغراضه الأساسية، وفجأة أغارت الطائرات مجددا، ودون تفكير قفز من الطابق الثاني لينجو بنفسه. يضيف: «سرت زحفاً على بطني مئة متر حتى خرجت من الشارع بعد إصابتي بكسر في قدمي اليمنى، وما إن وصلت مكانا آمنا حتى ضربوا صاروخ أف 16 حوّل المنزل إلى كومة من التراب، كما قصفوا خمسة بيوت أخرى بطريقة عشوائية». يصمت قليلا حين تتساقط الدموع من عينيه، ويعود ليتحدث بصوت خجول: «كنت أعيش وأسرتي على المساعدات الإنسانية لأني ما بشتغل، وفوق هيك انقصف البيت»، مستدركا: «ما كنت متوقع بالمرة هاي المعاملة من الدكاترة والممرضين وحتى موظف الأمن... طلبت منه يشتريلي الدوا من بره، وبعد ما جابه أخذ مني 20 جنيه مقابل المشوار».
يذكر أن عددا من المصابين وصلوا إلى هنا بلا مرافقين بسبب محدودية الأعداد المسموح لها بالدخول، فضلا عن أن جزءا كبيرا منهم لا يحمل أموالا تكفيه لمستلزماته في رحلة العلاج، التي لا يعرف كم ستطول.
الحال تظهر أسوأ مع قصة الشاب الفلسطيني عطا الله عيد (24 سنة)، فهو مصاب بقطع في الكبد والأمعاء. كان ممددا على السرير ويضع يديه على وجهه، ثم ينظر في من حوله نظرات حائرة تحاول أن تجد من تعرفه. يقول بحزن شديد: «طول عمرنا بنحب مصر، وبنحكي إنها أم الدنيا والصدر الحنون على غزة وأهلها، وشعرت بسعادة لما حكولي إني راح أفوت على مصر لاستكمال علاجي، لكن ما سمعته بأذني وشفته بعيوني بعد ما صارت التفجيرات في العريش قبل كم يوم خلاني احكي: يا ريتني متت بغزة ولا جيت مصر».
فجأة جاءت سيدة مصرية من أمهات أحد الذين قضوا في التفجير الذي وقع في حي ضاحية السلام في العريش قبل أيام، وصرخت في وجه الشاب عيد قائلة: «حسبي الله ونعم الوكيل فيكم وفي حماس... انتوا قتلتوا ابني»، مطالبة مدير المستشفى بطرد الجرحى الفلسطينيين حتى جاء من أخرجها من المكان. يروي عيد أنه من سكان بيت لاهيا (شمال القطاع)، وقد أصيب هو وشقيقه الصغير بشظايا قصف صاروخي نقل على أثره إلى مستشفى العريش لسوء حالته، بعدما قطعت الشظايا أعضاءه الداخلية. ويشرح عن حالته: «الدكاترة عملولي استكشاف للبطن ومعالجة في الأمعاء والكبد، الشظايا قطعت بطني»، مستدركا هو الآخر: «كان هناك اهتمام في أول يومين بعدما وصلت المستشفى، لكن تغيرت المعاملة وأصبح الأطباء والممرضون يعاملوننا بلا مبالاة، كأنهم يريدون أن يوصلوا لنا رسالة بأنه غير مرغوب فينا».
ويشير الشاب إلى أنه يدرس في كلية التربية في جامعة القدس، وكان يحلم بأن يعلم أجيالاً تبني مستقبل فلسطين، لكنه يعقب بصوت خافت: «كان نفسي أبقى مدرس علشان أعلم الأطفال، لكن مفيش أساساً أطفال أعلمهم، بيموتوا كل ثانية، وبيتحولوا لأشلاء». كذلك فهذا الشاب لا مرافق معه، وهو وحده في المستشفى، بعدما رفضت السلطات المصرية دخول عمه، لذلك يتمنى أن يخرج سريعا من المستشفى، قائلا: «نفسي أرجع اليوم قبل بكره لغزة، وما بدي أستكمل العلاج». ويعود ليتساءل وعينه على سقف الغرفة: «يا ريتهم ما جابوني لمصر.. كانت ظلت صورتها حلوه بعيوني».
في الغرفة المقابلة للسريرين اللذين يرقد عليهما كل من مؤيد وعطا الله، كان إسلام أبو حطب (23 سنة) موصولا بجهاز تنفس اصطناعي، ويشير الموجودون إلى أنه أسوأ الحالات المرضية التي جاءت من القطاع لإصابته بنزف في المخ نتيجة لكسر حدث في جمجمته. عند سؤال أحد الأطباء عن حالته قال: «انسى ده منتهي من قبل ما يوصل المستشفى»، وبناءً عليه بقي إسلام مربوطا بأجهزة التنفس الاصطناعي دون أن يلتفت أحد إليه بدعوى أن حالته ميؤوس منها.
بعد محاولات لإثنائه عن رفضه الحديث، قال أحد أقربائه المرافقين له رافضا ذكر اسمه إنه جرى السماح له بالدخول لأنه من الأصل حاصل على الجنسية المصرية من طرف أمه. وبعدما تحدث عن تفاصيل قصف البيت قال إن إسلام انتهى من مرحلة الثانوية العامة، لكنه لم يكمل دراسته، مضيفا: «احنا شعب انكتبت علينا الشدايد والمحن طول الوقت... كان إسلام نفسه يكمل جامعته، لكن ما صار له نصيب». وتوقف عن الحديث ليلقي نظره على قريبه الغارق في غيبوبته.
ويقترب المرافق ليقول بهمس خشية أن يسمعه أحد الممرضين: «المعاملة سيئة كتير في المستشفى، وبيحكولنا في وجهنا انتوا قتلتوا العساكر عالحدود، وقتلتوا الناس في العريش»، لكنه يؤكد أنه في المقابل عاملهم ممرضون بالحسنى وأحضروا لهم وجبات الإفطار كما قدموا بعض المساعدات المالية، «مع ذلك ظلت المعاملة في المستشفى أسوأ معاملة».
القصة تتكرر مع الشاب عبد الله حسان (25 عاما) وهو من سكان حي الزيتون في غزة. ويسرد أنه وصل إلى مستشفى العريش في صباح اليوم الذي شهد التفجير في حي الضاحية، وقتل وأصيب فيه مدنيون. وتابع: «بعد إجراء الفحوص حولوني إلى غرفة في الطابق الثاني، ثم جاءت ممرضة وأعطتني روشته فيها نحو 7 أنواع من الدواء، وقالت لي: دي أدوية لازمة لحالتك اتصرف واشتريها من بره». ويكمل بصوت منخفض: «جيت من غزة وما معي فلس واحد، كيف أجيب الدوا». توجهت «الأخبار» إلى وكيل وزارة الصحة شمال سيناء، الطبيب طارق خاطر، الذي قال إنهم يستقبلون الحالات الصعبة من الجانب الفلسطيني عبر معبر رفح لعلاجهم في مستشفى العريش وفق الخدمات الطبية اللازمة لكل حالة على حدة، مضيفا أنه «يجري علاجهم وصرف الأدوية كافة لهم بالمجان»، لكن بعد عرض هذه القصص عليه ومواجهته بما ذكره المصابون، رد بانفعال شديد: «هذا مستحيل وأنتم تريدون تشويه صورة مصر... أوامري كانت واضحة لمدير المستشفى الدكتور سامي أنور بحسن معاملة المصابين»، واعدا بالتحقيق في الموضوع.
لم تقف «الأخبار» عند هذا الحد، بل ذهبت إلى مكتب مدير المستشفى لسؤاله عن تأكيدات وكيل الصحة، ولعرض ما يقوله المصابون، وبعدما طلب مدير مكتبه الانتظار قليلا لإبلاغه عاد ليقول إن الدكتور سامي ليس موجودا، كما جرت المحاولة لطلبه على الهاتف المحمول عدة مرات، لكن الإجابة الآلية كانت: «رقم الهاتف المطلوب مغلق أو غير متاح».




الصحف السعودية سعيدة بخطوة مصر

أشادت صحف سعودية في افتتاحياتها بالخطوة المصرية لفتح معبر رفح وإدخال الجرحى الفلسطينيين عبره إلى مستشفى العريش للعلاج. من هذه الصحف صحيفة «الوطن»، التي قالت في افتتاحيتها إنه «يحسب للسلطات المصرية في هذه الظروف أنها فتحت معبر رفح لاستقبال الجرحى الفلسطينيين وعلاجهم، فالإنسانية أسمى من مماحكات السياسة». وأضافت الصحيفة: «لن يلتفت العالم إلى الفلسطينيين في غزة، ولن تنصفهم المنظمات الدولية لأن علاقة حماس بالعالم سيئة، ومهما كانت عدالة القضية فإنها تحتاج إلى سلطة قادرة على التواصل مع العالم لانتزاع التأييد، وهو ما تفتقده الحركة»، مكملة: «خروج حماس على السلطة جعلها في عيون العالم جانية، حتى وإن كانت ضحية».