«خطاب أزمة» واضح قدّمه الرئيس بشار الأسد. الحرب السورية بكل تفاصيلها حضرت في خطاب القسم أمس. من جنود الجيش إلى عودة الرقة وحلب إلى الوطن، وصولاً لإعادة الإعمار.

في الشكل، من حيث المراسم والحضور والثقة العالية بالوضع الأمني، لا شيء يوحي بضغط الحرب اليومي. بثقة المنتصر خطب الأسد أمام 1300 شخص، موزعاً رسائل إلى الخارج والداخل: لا تنازلات ولا حل خارجياً.

بدأ من «الخارج»، إذ قال إنّ الدول التي دعمت «الإرهاب» ستدفع «ثمناً غالياً». وأضاف: «أليس ما نراه في العراق اليوم وفي لبنان وكل الدول التي أصابها داء الربيع المزيف، هو الدليل الحسي الملموس على مصداقية ما حذرنا منه مراراً وتكراراً، وقريباً سنرى أن الدول العربية والإقليمية والغربية التي دعمت الإرهاب ستدفع هي الأخرى ثمناً غالياً».
ورأى أنّه «إن كان الغرب وإمّعاته من الحكومات العربية قد فشلوا في ما خططوا له، فهذا لا يعني على الإطلاق توقفهم عن استنزاف سوريا كهدف بديل».
والصورة برأي الرئيس المنتخب بدأت ملامحها بالتكشف منذ غزو العراق. «لم يكن موقفنا حينها مبنياً على حب المواجهة والعنتريات... لا نحب العنتريات ولا البندريات»، قال.
ثم وصف «العنتريات» بأنها «إما أن نذهب باتجاه مواجهة العالم من دون مبرر وبتهور أو أن نفعل كما يفعل «الشقيق» (رئيس الوزراء التركي رجب طيب) أردوغان... يريد أن يحرر الشعب السوري من الظلم ويحلم بالصلاة في الجامع الأموي وعندما أتى موضوع غزة رأينا أنه حمل وديع يشعر باتجاه إسرائيل كما يشعر الطفل الرضيع تجاه حضن أمه بالحنان ولا يجرؤ على أن يتمنى أن يصلي في المسجد الأقصى. كما لاحظتم فقط في الجامع الأموي وهذه هي العنتريات... أما البندريات فهي أن يتحول الإنسان إلى منبطح بشكل مطلق أو أن يتحول إلى عميل ولو لم يكن هناك من يبحث عن عملاء...».

البندريات هي أن
يتحول الإنسان إلى منبطح بشكل مطلق أو أن يتحول إلى عميل

وهذه الصورة تتوضح أكثر اليوم بعد العدوان على غزة، إذ سأل الأسد: «أين هي الحمية والشهامة التي أظهروها تجاه سوريا كما ادعوا... لماذا لم يدعموا غزة بالمال والسلاح؟ لكي نعرف الجواب لا بد أن نعرف أن ما يجري اليوم في غزة...».
وفي هجوم على حكام السعودية ودورهم التاريخي في خذلان القضايا العربية والانسياق خلف «السيد الغربي»، قال الأسد: «أليس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل هو الذي أقر لبريطانيا أن لا مانع لديه من إعطاء فلسطين لليهود المساكين عام 1915».
واعتبر أنّ الدول المعادية لسوريا اليوم - وعلى رأسها السعودية - هي «التي قدمت مبادرة الأمير فهد في عام 1981 للفلسطينيين للسلام، وهددوهم إذا لم يقبلوها فستكون هناك أنهار من الدم وعندما رفضت الفصائل الفلسطينية تلك المبادرة كان هناك خلال أقل من عام الغزو الإسرائيلي للبنان، وتم على إثره إخراج منظمة التحرير من لبنان، ليس حرصاً على لبنان، وإنما حرصاً على إسرائيل... هذه الدول نفسها هي التي أتحفتنا وفاجأتنا في عام 2002 بأغرب مبادرة مؤلفة من ثلاث كلمات «التطبيع مقابل السلام»، والتي عدلت لاحقاً لكي تصبح المبادرة العربية في قمة بيروت عام 2002».
وواصل الأسد تصويبه على سياسة الرياض بضربه مثالاً بعدوان تموز عام 2006، عندما قال: «من يدعى (وزير الخارجية السعودي) سعود (الفيصل) إن هؤلاء المقاومين طائشون ومتهورون». ولفت إلى أنّ «الدول التابعة كُلفت بمهمة تمويل الفوضى تحت عنوان الربيع العربي وأعطيت قيادة جامعة الدول العربية ليختصر دور الجامعة باستدعاء الناتو وفرض الحصار على الدول والشعوب العربية». وأضاف الأسد أنّه «من يعتقد أنه يمكن لنا العيش بأمان ونحن ننأى بأنفسنا عن القضية الفلسطينية فهو واهم فهي ستبقى القضية المركزية».

الحلول الناجعة سورية

وانطلاقاً مما سبق، أكد الأسد أن «القناعة منذ البداية»، هي السير في مسارين متوازيين، ضرب الإرهاب من دون هوادة والقيام بمصالحات محلية لمن يريد العودة عن الطريق الخاطئ. فالحلول، برأيه، هي سورية بحتة «لا دور لغريب فيها إلا إذا كان داعماً وصادقاً... وكل من عاد إلى الطريق الصحيح اكتشف بنفسه أن الدولة كالأم الحنون».
واعتبر أنّ من ينتظر انتهاء الحرب من الخارج واهم. «فالحل السياسي» يبنى على المصالحات الداخلية.

لن ننسى الرقة وحلب

وذكر الأسد الرقة الواقعة تحت سيطرة «الدولة الإسلامية»، التي «سنخلصها من الإرهابيين بإذن الله»، وحلب «الصامدة وأهلها الأبطال فلن يهدأ بالنا حتى تعود آمنة مطمئنة... وما العمليات العسكرية اليومية هناك والشهداء الذين ارتقوا فداء لحلب إلا دليل واضح وملموس على أن حلب في قلب كل سوري». واستذكر الأسد «الأوفياء من أبناء المقاومة اللبنانية الذين وقفوا جنباً إلى جنب مع أبطال جيشنا وخاضوا المعارك المشرفة سوية... وقدموا الشهداء دفاعاً عن محور المقاومة». كذلك شكر إيران وروسيا والصين الذين احترموا «قرار الشعب السوري وإرادته».

إعادة الإعمار عنوان المرحلة المقبلة

ورأى الأسد أنّه «في هذا اليوم ننطلق جميعاً إلى مرحلة جديدة، أهم ما يميزها هو الإجماع على حماية الوطن وإعادة بنائه... لنبدأ جميعاً يداً بيد إعادة إعمار سوريا لنكون جديرين بها». وأضاف: «عادت البوصلة واضحة عند كثير ممن غابت عنهما الرؤية جهلاً أو تضليلاً، وانكشفت الوجوه القبيحة على حقيقتها بعد أن سقط عنها قناع الحرية والثورة لتعمل أنيابها في الجسد».
وعن إعادة الإعمار، قال إنّه «عنوان اقتصاد المرحلة المقبلة»، وأكد أنّ «الدولة بدأت بالفعل بإصدار التشريعات والقوانين التي تشجع وتسهل البدء في الاستثمار في هذا المجال... وانتهت الحكومة مؤخراً من إصدار التشريعات المتعلقة بمنطقة كفرسوسة في مدينة دمشق وهي أول منطقة سنبدأ فيها إعادة الإعمار... وتعميم هذا النموذج على كل المناطق التي أصابها التهديد في المحافظات السورية الأخرى وفق ما تسمح الظروف الأمنية».

شياطين لا «إخوان الشياطين»

وتحدث الرئيس السوري عن تجربة «الإخوان المسلمين»، قائلاً: «ألم تكن تجربة إخوان الشياطين الإجرامية في الثمانينيات كافية لنتعلم الدروس... في بداية الأزمة تكلمت عن إخوان الشياطين فقام البعض بالتعليق بأنه لم يترك شعرة. ربما نحاورهم. لماذا يقول عنهم شياطين وهم حزب. يجب أن يقول عنهم الرئيس إخوان مسلمين. فنحن نعتذر من هؤلاء. لا يجوز أن نسميهم الإخوان الشياطين يجب أن نسميهم الشياطين، لأن القتل والإرهاب والفساد والفتنة وكل الموبقات هي من وساوس الشيطان».
(الأخبار)