القاهرة | تعود الأطراف جميعها إلى القاهرة لتحاول وضع أوزار الحرب التي تفجع الفلسطينيين كثيراً بسبب الإجرام الإسرائيلي، وما كان آخره سوى مجزرة دامية أمس بحق مجموعة من الأطفال كانوا يلهون على شاطئ بحر غزة. إثر هذه المجزرة، التي أعلن جيش الاحتلال أنه سيحقق فيها «بأمانة»، أعلنت تل أبيب أنها استجابت لنداء الأمم المتحدة وستمنح الفلسطينيين اليوم «هدنة إنسانية» لمدة ست ساعات.


ويقدر مراقبون أن هذه الهدنة أتت جراء توثيق ناشطين أجانب مجزرة الأطفال من فندق يطل على الشاطئ في صور ومقاطع فيديو تثبت أن الاستهداف كان مباشراً على الساحل الذي خلا من أي شيء غير أطفال عائلة بكر، ما سبب إحراجاً كبيراً للموقف الإسرائيلي. في جانب آخر، يظهر أن خفض وتيرة الأعمال العسكرية يهدف إلى منح فرصة للمشاورات السياسية لتمر بهدوء في مصر. هناك يحمل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أوراقه لتليين الموقف تجاه «حماس» بعدما تقدمته وفود من الفصائل.
في التفاصيل المعلنة أن القيادي الثاني في «حماس»، موسى أبو مرزوق، تواصل مع المسؤولين المصريين أمس وسلمهم رد الحركة على المبادرة المصرية للتهدئة و«التعديلات» التي تطالب بها، طبقاً لما أعلن القيادي في «فتح» عزام الأحمد الموجود أيضاً في العاصمة المصرية. وقال الأحمد، في تصريح صحافي، إن «حماس تريد إضافة نقطتين أساسيتين على هذه المبادرة هما تفعيل تفاهمات 2012 التي تشمل فتح المعابر وحق الصيد حتى مسافة 12 ميلاً من شواطئ غزة إضافة إلى ترتيبات تتعلق بالمناطق الحدودية بين القطاع وإسرائيل».

السيسي لم يرغب
في تدخل كيري كي يظهر أنه قادر على أداء دور مصر التقليدي

وتطالب «حماس»، وفق مصادر مسؤولة فيها، بضرورة «تضمين المبادرة كلاماً واضحاً عن رفع الحصار كلياً عن غزة بما في ذلك المعابر»، مشيرة على لسان القيادي فيها غازي حمد إلى أن «أطرافاً أخرى مثل قطر وتركيا تتحركان إلى جانب مصر من أجل تحقيق التهدئة».
ونفت حركة الجهاد الإسلامي أي علاقة لها بالشروط المنسوبة إلى المقاومة التي تطالب بوقف العدوان على غزة مقابل هدنة لعشر سنوات، فيما أكد مصدر فلسطيني أن «الجهاد تعترض على استخدام كلمة الأعمال العدائية»، مضيفاً: «لا نعرف إذا كانت مصر ستعدل المبادرة بما يحقق المطالب الفلسطينية... الوضع صعب ومعقد». وأشارت مصادر محلية إلى وجود وفد قيادي رفيع المستوى من «الجهاد» في مصر. الأحمد أوضح في السياق أن عباس، الذي وصل القاهرة مساء أمس، التقى الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي، «على أن يجتمع اليوم مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي»، وذلك بعد لقائه القيادي أبو مرزوق. وقال إن «حماس» تطالب بأن تنص المبادرة على «إطلاق سراح 57 فلسطينياً أفرج عنهم في صفقة 2011 ثم أعادت إسرائيل اعتقالهم مجدداً»، لكن موقع صحيفة «يديعوت أحرونوت» ذكر أنه تقرر إعادة الأحكام السابقة على ستة من محرري صفقة التبادل الأخيرة «لانتهاكهم شروط الإفراج عنهم»، ما يعني عملاً إسرائيلياً حثيثاً على إعاقة البند المتعلق بهم.
يشار إلى أن «حماس» تأخرت في إعلان موقفها الرسمي من المبادرة يوماً كاملاً، عن حركة «الجهاد الإسلامي» التي تواصل ذراعها العسكرية، سرايا القدس، مع كتائب القسام وفصائل المقاومة قصف المدن الإسرائيلية. وذكرت السرايا أنها أطلقت خلال ثمانية أيام من الحرب 864 صاروخاً من بينها صواريخ براق 70 و100 وكورنيت وفجر 5 وغراد.
أما في الجانب المصري (إيمان إبراهيم)، فتقول مصادر مطلعة لـ«الأخبار» إن المباحثات لا تزال «تسير في نفق مظلم، وخصوصاً بعد الأثر الذي تركه تراجع حماس عن اتفاق أبرمته منذ أيام مع قادة المخابرات العامة المصرية لإعلان التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي». عن المباحثات الجارية تضيف المصادر: «أمس كان حافلاً بالمفاوضات بين كل الفصائل، علماً أن الطاقم المسؤول عن إدارة المباحثات من المخابرات المصرية خصص أكثر من اجتماع للجلوس على انفراد مع التنظيمات الفلسطينية لصعوبة الجمع بينها في مثل هذه الظروف».
وشددت تلك المصادر على أن القاهرة «لن تسمح بمزيد من التلاعب من طرف حماس التي باتت تعلن أشياء مغايرة عن اتفاقاتها التي تمت خلف الأبواب المغلقة». وتفسيراً لذلك، رأت أن «الموقف الحمساوي هدفه وقف أي دور استراتيجي لمصر في المنطقة، لكن ذلك في غير مصلحة الشعب الفلسطيني وسيكلف غزة المزيد من الشهداء».
عن الجانب الإسرائيلي، ذكرت المصادر نفسها، وصول بعثة تضم رئيس جهاز الأمن العام يورام كوهين، ورئيس الهيئة السياسية والأمنية في وزارة الدفاع عاموس جلعاد، والمحامي يتسحاق مولخو، إلى القاهرة، لإجراء المحادثات بصورة منفصلة، وذلك بالتزامن مع اتصال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بالرئيس عبد الفتاح السيسي في السياق نفسه.
على هذا النحو (علي حيدر)، تواصل إسرائيل استغلال المبادرة المصرية التي مكنتها من أن تبدو كمن فرضت عليه فصائل المقاومة في غزة قصفها، وذلك في تجاهل تام للمطالب التي تتمحور بصورة أساسية حول القضايا المعيشية للشعب الفلسطيني. وجديد التوظيف الإسرائيلي، كان بياناً مشترك بين نتنياهو من جهة، ووزيرة الخارجية الإيطالية، فيديريكا موغيريني من جهة أخرى. يؤكد هذا البيان أن «حماس تتحمل المسؤولية الحصرية عن استمرار العنف» لأنها رفضت المبادرة المصرية في الوقت الذي أعلنت إسرائيل فيه موافقتها، ما دفع الأخيرة إلى مواصلة هجماتها.
أكثر من ذلك، فإسرائيل، كما يقول نتنياهو، «تحاول طوال الوقت إيجاد حل للوضع» من دون أن يضيف أن كل الحلول مقبولة بالنسبة إليه باستثناء الموافقة على الحد الأدنى من متطلبات الحياة في غزة. في ضوء ذلك، ومع غطاء دولي وعربي، باتت المقاومة مسؤولة لأنها «تستهدف المدنيين الإسرائيليين وتضحي أيضاً بمدنييها». نتنياهو رأى أيضاً أن على الجهات الدولية «شجب حماس وسلوكها»، معرباً عن تقديره لدعم القادة في العالم حتى الآن. أما عن الطموح الإسرائيلي، فشدد على أن «الأمر الأهم هو تجريد غزة من الصواريخ والسلاح»، بغض النظر عن مدى إمكانية تحقيقه في هذه المرحلة.
ونقلت صحيفة «هآرتس» عن مصادر دبلوماسية قولها إن نتنياهو أجرى سراً السبت الماضي مكالمة هاتفية مع عبد الفتاح السيسي. وأضافت الصحيفة أن المكالمة «ظلت طي الكتمان وأنها جرت بعد خمسة أيام من الحرب على غزة»، كذلك جاءت في أعقاب اتصالات أجراها مبعوث الرباعية الدولية، طوني بلير، مع الطرفين المصري والإسرائيلي.
وذكرت «هآرتس» أنه في المراحل الأولى من العدوان «بدأ بلير الدفع باتجاه وقف إطلاق النار. وبعد عدة لقاءات ومكالمات مع نتنياهو توجه السبت إلى القاهرة للاجتماع مع السيسي بعد تنسيق مع وزير الخارجية الأميركي، جون كيري». هناك حث بلير السيسي على التدخل من أجل وقف إطلاق النار، وبناءً عليه جرت المكالمة، فيما رفض مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية الرد على سؤال الصحيفة بهذا الشأن.
على الخط نفسه، كشفت «هآرتس» أن بلورة صيغة المبادرة المصرية جرت بمشاركة إسرائيل ومن دون علم «حماس»، «وذلك استناداً إلى اقتراح قدمه محمود عباس يقضي بإعلان وقف العمليات العدائية من الجانبين، وبعد ذلك بدء مفاوضات حول بنود الاتفاق كالمعابر ومناطق الصيد، منبهة إلى أن القاهرة وتل أبيب لم ترغبا في دور أميركي، «فسارعتا إلى صياغة المبادرة وإعلانها». أما عن سر عدم إتمام جون كيري زيارته للقاهرة، فلفتت الصحيفة إلى أن السيسي لم يرغب في تدخل كيري كي يظهر أنه قادر على أداء دور مصر التقليدي من دون تدخل خارجي.
وفي وقت متأخر أمس، وافقت إسرائيل على وقف مقترح للعمليات العسكرية في غزة لست ساعات من أجل السماح بدخول مساعدات إنسانية إلى القطاع. وقال مسؤول إسرائيلي طلب إخفاء اسمه إنه لم يتقرر بعد متى ستبدأ إسرائيل الوقف، ذاكراً أن الموافقة على هذه «الهدنة الإنسانية» صدر عن مسؤول في الأمم المتحدة.
أتى ذلك بالتزامن مع حديث جيش الاحتلال أنه يحقق «بأمانة» بشأن القصف الذي أودى بحياة 4 أطفال على شاطئ غزة، في حين أنه قال إن «النتائج الأولية تشير إلى أن أهداف الضرب كان إرهابيي حماس». في المقابل، تظهر الصور التي نشرها الفلسطينيون ووكالات الأنباء أن الاستهداف كان على شاطئ خالٍ من الحركة، وأن القذيفة الأولى أصابت خيمة فارغة وما لبث الأطفال أن هربوا حتى باغتتهم قذيفة أخرى حولتهم أشلاء، ما يرفع حصيلة الشهداء أمس إلى 23 فلسطينياً بينهم ثمانية أطفال في يوم واحد والعدد الإجمالي إلى 220 شهيداً وأكثر من 1570 إصابة في اليوم العاشر للعدوان.