غزة | لحظات قصيرة قضت على «شقا عشرين عاماً»، عملت خلالها أم محمد البيك مدرّسة في عدة مدارس، كي تتمكن من شراء قطعة أرض وبناء منزلها حجراً فوق حجر، في شارع النفق شرقي شمال مدينة غزة. بعدما أغارت عليها طائرات حربية إسرائيلية، قضت على أحلام عائلتها المكونة من 40 فرداً، باتوا مشردين لا مأوى لهم ولا مصدر دخل يستطيعون من خلاله إعادة بنائه.


دوماً تدعي إسرائيل أنها تستهدف منازل تختبئ فيها قيادات من «حماس» أو «الجهاد» أو التنظيمات الفلسطينية المقاتلة، ولكن هذه العائلة تحديداً، لا شأن لها بكل التنظيمات على الرغم من احترامها لهم كما تقول. جلّ ما أرادته أم محمد أن تعيش في بيتها الذي استدعى سنوات عمل طوالاً منها ومن زوجها لبنائه، وأن يكون أماناً لأبنائها.
وتسرد البيك لـ«لأخبار» ما حدث فتقول: «كنت أصلّي التراويح مع بناتي، والرجال غالباً ما كانوا يصلونها بالمسجد، في هذا اليوم بالتحديد ظل ابني بلال للصلاة معنا، ونحن سجود سمعنا صوت انفجار عنيف، مع ارتجاج قوي في المنزل، لم نكن نعلم أنه منزلنا، ولكن ابني انتبه وأخذ يصرح أن نخلي المكان لأنه صاروخ زنانة».
ربما هي دقائق التي مرت على عائلة البيك، لكنها حملت العديد من الأحداث، وكانت أصعبها على ابنتها أنسام (20 عاماً) التي لم تجد سبيلاً لها سوى أن تختبئ في حضن والدتها وتتشجن فيه، لتمنعها من التحرك لدقائق، غير أن الصراع مع الموت جعل الجميع يهرب حافياً، لم يحملوا شيئاً معهم سوى أرواحهم.
بسرعة لجأت العائلة إلى الجيران يدقون على الأبواب طالبين اللجوء لديهم، لكن الجيران لم يفتحوا الأبواب. «إنه الخوف كبّل الجميع بمن فيهم الجيران، ولو أنا مكانهم لفعلت ذات الشيء»، تقول أنسام، وتقاطعها والدتها لتتابع حديثها: «على بعد 300 متر فتح لنا أحد أبواب الجيران، دون استئذان دخلنا المنزل دون وعي، ولا حتى أن نعرف من هم».
أنسام سقطت على الأرض مغشياً عليها، مثلها مثل باقي الأطفال. في هذه الأثناء سمعوا صوت قصف عنيف هز أرجاء المكان، ما إن سُمع حتى بدأ صراخهن بالتعالي: «عمرنا راح، أحلامنا راحت، يا ربي رحماك يا الله رحماك»، والجيران يحاولون تهدئتهن، لكن ليس بيدهم حيلة.
سماح (25 عاماً)، متزوجة ولديها ثلاثة أطفال، ظنّت أن بيت أهلها هو الأكثر أماناً بعدما عاشت أياماً صعبة مع القصف المحيط بمنزلها غرب مدينة غزة، وخاصةً أن المواقع الأمنية قريبة منها، لكنها لم تعرف أن ذاك المنزل الذي ستختبئ فيه، هو نفسه سيكون مصدر خوف بالنسبة إليهم. تقول: «من كتر ما بيت أهلي آمن، الكل كان يروح يتخبى فيه، صدمة كبيرة لساتنا مش مصدقينها، كيف راح من أمي اللي تعبت ودفعت عمرها لتبنيه، هيك فجأة صارت مشردة وتنتظر المساعدات من الناس كي تستطيع العيش».
غالباً تحاول أن تقف سماح على شباك البيت التابع لأعمامها، الذين لجأوا إليه لحين انتهاء أزمتهم أو حتى إيجاد حل مناسب للخروج منها وتقول: «أهرب إلى هذه النافذة من شدة الاختناق بالداخل، 40 طفلاً في ذات المنزل، لا طعام ولا شراب ولا راحة بال، آتي إلى هنا أتذكر منزلنا»، دمعتان نزلتا على وجنتيها وراحت تتساءل: «هل سنشعر بالأمان بعد كل ما جرى لنا؟ وهل سنتمكن من استعادة حياتنا؟ أم أننا تركنا هكذا لا مأوى ولا أمان». وتتحدث سماح عن ليالي القصف العنيف الذي يشهده قطاع غزة: «في البداية عندما كان يحدث القصف، كنت أحاول أن أهدئ من روع أبنائي، أما اليوم فأنا نفسي بحاجة لمن يطمئنني ويهدئ من روعي».
الحاج يوسف البيك (65 عاماً)، لم يستطع التحدث معنا، فهو ما زال غير مصدق لما جرى معه، وتقول زوجته: «لا يزال غير مصدق ما جرى، ويشعر بأنه كابوس وسينتهي، ولكن كل نهار يطلع علينا يتأكد أنه ليس كابوس وإنما حقيقة وعلينا التعايش معه». ومنزلهم كان يتكون من ثلاثة طوابق، وقد سوّي بالأرض بعد استهدافه من طائرات من نوع F16، ليقتل أحلام عائلة البيك كباقي العائلات الغزية، فتزيد من أعداد ضحايا الجرائم الإسرائيلية.