أنهى عدي التميمي أحد عشر يوماً من المطاردة، بأسلوبه الخاص. «أبو السبع»، كما لقّبه أبناء مخيّم شعفاط حين شاهدوه في عمليّته المصوَّرة الأولى، وصل ليل الأربعاء - الخميس إلى حاجز «معاليه أدوميم» ماشياً على قدمَيه. أشْهر مسدّسه الفردي، وأطلق النار تجاه ثلاثة جنود كانوا يحرسون الحاجز. ردّت ثلاثة مخازن سلاح بإفراغ رصاصاتها باتجاهه. قفز إلى السماء مُحاولاً تلافيها، ثمّ وقع على الأرض. اتّكأ على يديه، وواصل إطلاق النار. اخترقت الرصاصات جسده. بدّل مخزن الذخيرة وسط الأزيز، وواصل إطلاق النار. أغرقوه بصلْية أخرى. هدأ أخيراً الجسد الذي أرهق جيشاً بأكمله، كان قد واصل البحث عنه طوال 264 ساعة من المطاردة. على سبيل المكابرة، هنّأ رئيس الوزراء الإسرائيلي، يائير لابيد، قادة جهاز المخابرات «الشاباك» والجيش والشرطة و«حرس الحدود» على «إنجازهم»، فيما نُشر مقطع مصوَّر للحدث، على سبيل التفاخر بالقوّة.


غير أن الشاب الرياضي، ابن الـ22 ربيعاً، ونجل الخبّاز البسيط، الذي يسكن أكثر مخيّمات مدينة القدس تعقيداً، شعفاط، الذي مورست بحقّ شبابه منذ عشرين عاماً، جهود إسرائيلية لتدجينهم، وإغراقهم في وحل الجريمة والمخدّرات، بدا وكأنه يفتتح حكاية جديدة. قال الشاب في وصيّته التي دوّنها على قطعة ورق ممزَّقة: «إن عمليتي في شعفاط، كانت نقطة في بحر النضال الهادر». وعلى رغم أن جهداً كهذا لن يحرّر فلسطين، لكن ثمرة العملية، وفق وصفه، «ستُحرّك مئات الشباب الذين سيحملون بندقيتي وجسدي».
«أَحبّه كلّ مَن عرفه»، يقول ابن عمه سفيان، مضيفاً في حديث إلى «الأخبار»: «خلال أكثر من ثمانية أيام من حصار المخيم، وتنكيل الاحتلال بعائلة التميمي، وجدْنا احتضاناً من الناس، كانوا يقولون لنا، إن أرزقانا وحياتنا كلّها فداء للبطل المطارَد». في المخيّم الذي يحمل سكّانه الهوية الإسرائيلية المقدسية، ويتاح لأمثالهم امتياز الدخول السهل للعمل في مدن الداخل المحتلّ، أضحى الشاب الأقرع أيقونة ورمزاً، تُحلَق من أجله رؤوس المئات «على الصفر» - على رغم أن الشعر الكثيف موضة الشباب المفضّلة هذه الأيام -، كي تتشتّت أجهزة الأمن الإسرائيلية في البحث عنه. هو رياضي، لكنه «لا يهوى الاستعراض»، يقول محمود وهو أحد جيرانه، مضيفاً في حديث إلى «الأخبار»، أن «عديّ مهتمّ جدّاً بأناقته، يقضي جزءاً من وقته في النادي الرياضي، يحبّه الجميع لأنه صاحب دعابة متّزنة، لا يستطيع أبناء جيله مسابقته في الركض، يحبّ الأطفال، يمشي برأس مرفوع وعينَين مسبلتَين، لم يُسجَّل عليه يوماً أنه أساء إلى أحد».
عدي الشهم، صاحب النخوة والأنفة، عزيز النفس، كان بطلاً في عيوننا طوال حياته


حين نفّذ «عدي الكرار»، كما وصفه نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، عملية شعفاط في الثامن من تشرين الأول، لم يكن قد أفصح لأحد عن نواياه. يقول أحد أصدقائه: «كان وطنياً، لكنه غير مهتمّ بالسياسة، لم نعهد منه أنه انتمى إلى أيٍّ من الفصائل»، مضيفاً: «قبل أشهر قليلة من العملية، كان يعمل بجدّ لساعات، يحصل على المال، وحين نمازحه بأنه اتّخذ قراره بالزواج، كان يبتسم، من دون أيّ ردّة فعل. اليوم، اتّضح أنه اشترى بذلك المال سلاحه الشخصي، الذي لم يرَه سوى عدوّه». ويتابع الشاب في حديثه إلى «الأخبار»: «عدي الشهم، صاحب النخوة والأنفة، عزيز النفس، كان بطلاً في عيوننا طوال حياته، وجاءت مطاردته ثمّ استشهاده بهذه الطريقة، كي يصبح بطلاً في عيون كلّ أبناء شعبه، بل في عيون أحرار العالم كلّه».
في مسقط رأسه، احتشد الآلاف من المواطنين أمام بيت ذويه، يهتفون باسمه، ويشيدون ببطولته، أمّا في القدس، ومدن الضفة الغربية المحتلّة كافة، فأُعلن الإضراب العام غضباً لاستشهاده، فيما أضحى مقطعا الفيديو اللذان وثّقا عمليتَيه الأولى والثانية، واللذان يلخّصان مسيرة حياته أيضاً، خارطة طريق لعشرات من أشباهه، أعاد ابن القدس تعريف البطل في وجدانهم. سيعود عدي التميمي بلا شكّ، ولكن ليس «مقتولاً في كيس بلاستيكي» كما هدّد قائد «الشاباك» عمّته قبل أيام من استشهاده، إنّما في صورة من سيَحملون سلاحه، ويعلمون أنهم «سيستشهدون عاجلاً أم آجلاً»، كما قال عدي، راسماً معالم تُبشّر بالآتي.