مع كثرة التداول بالعملية البرية في قطاع غزة، في الاوساط الاسرائيلية، وتحديداً على ألسنة الرسميين من عسكريين وسياسيين، يحضر اعتباران اساسيان في بلورة مضمون ومفردات الموقف من هذا الخيار، في هذه المرحلة:

- الاول، بعدما ثبت فشل الخيار الجوي في معالجة استمرار اطلاق الصواريخ من قطاع غزة، باتجاه المدن الاسرائيلية، يجري تناول الخيار البري، باعتباره مدخلاً لتحقيق ما عجز عن تحقيقه سلاح الجو، انطلاقاً من ان المرحلة باتت تراوح بين خيار المراوحة الميدانية، وبين القبول بصيغة وقف اطلاق نار.

والمراوحة تعني، في ما تعنيه، تآكلاً في قدرة الردع الاسرائيلية، على خلفية «صورة» التوازن في المشهد الميداني، اسرائيل تغير والمقاومة ترد بالصواريخ. أما وقف النار فلا بد أن يتم فيه تلبية مطالب الطرف الفلسطيني، الذي يعني اعترافاً اسرائيلياً رسمياً بالفشل وانتصاراً لخيار المقاومة.
وعليه، فإن مقاربة هذا الخيار في هذه المرحلة، تنطلق من معطيات وتقديرات واقعية، على الاقل انطلاقاً من أنه بات أحد الخيارات المطروحة في ظل تطورات الميدان، بعيداً عما ستتخذه القيادة السياسية في نهاية المطاف.
أما الاعتبار الثاني، فمن الطبيعي أن ترتفع مخاوف الاسرائيلي من أن يتم تثمير نجاح المقاومة في الالتفاف على قدرات سلاح الجو الاسرائيلي، ومحافظتها على معدل متصاعد من الصليات الصاروخية، في مقابل تواصل الاعتداءات الاسرائيلية، في مداولات سياسية معلنة أو غير معلنة، بهدف التوصل الى صيغة تفاهم يتم من خلالها وعلى اساسها وقف اطلاق النار.
في ضوء ذلك، يحاول الاسرائيلي عبر الحديث المتزايد عن العملية البرية، وعلى ألسنة قادته العسكريين، التلويح بأن خياراته لم تستنفد حتى الآن، رغم استمرار اطلاق الصواريخ، وبأن الخيار الانجع ما زال في جعبته ويتركه للحظة الاخيرة.
وعلى هذه الخلفية، يهدف الحديث عن الجهوزية للقيام بعملية برية، الى جانب كونه تعبير عن حاجة ميدانية واحد الخيارات المطروحة امام القيادة السياسية، الى التهويل وممارسة الضغط على فصائل المقاومة والجمهور الفلسطيني، وخاصة أن أي انطباع بانسداد الافاق امام الاسرائيلي، سيؤدي الى تعزيز الموقف الفلسطيني، ويدفعه الى زيادة التمسك بمطالبه. من هنا تنبع ضرورة تأكيد جاهزية المؤسسة العسكرية للخيار البري، وأن المسألة مرتبطة فقط بانتظار صدور القرار السياسي.
مع كل ما تقدم، ينبغي تأكيد حقيقة أنه بالرغم من أن اسرائيل حاولت، وما زالت، تحقيق اهدافها من دون الاضطرار الى اعتماد الخيار البري، وهو أمر ظاهر للعيان ولا يحتاج الى أي استدلال، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة، أن اسرائيل ستمتنع عنه في مطلق الظروف. بل قد يعني ان اسرائيل ستحاول استنفاد كافة الخيارات البديلة، قبل اللجوء الى هذا الخيار.
في السياق نفسه، وبالرغم من أن الموقف الذي أعلنه رئيس اركان جيش الاحتلال بني غانتس، بأن العملية البرية تحتاج الى قرار المستوى السياسي، في ظل جاهزية الجيش، هو تعبير مهني وينسجم مع القانون الاسرائيلي، إلا أن هذا الموقف يأتي من جهة تعبيراً عن الخيار الذي فرضته تطورات الميدان، ومن جهة أخرى يؤدي دوره في توجيه رسالة ردع وضغط على الطرف الفلسطيني عبر القول بأن اسرائيل لم تستنفد خياراتها، بما فيها الخيار البري. علماً بأن قراراً من هذا النوع، وإن كان من صلاحية المجلس الوزاري المصغر، إلا أن بناءه يكون بالتشاور مع الجيش الذي غالباً ما تكون لتقديراته ومواقفه، أثرها الكبير، وإن كان ليس نهائياً وحتمياً، في اندفاع او انكباح القيادة السياسية عن خيارات محددة.
مع ذلك، في الحديث عن الخيار البري الكثير من العموميات، لأنه ينطوي على العديد من المسارات المختلفة من حيث الحجم والماهية، بدءاً من عمليات توغل هنا وهناك، الى الدخول في المناطق المفتوحة، الى محاولة تقطيع القطاع الى مناطق معزول بعضها عن بعض، وصولاً الى اجتياح كامل للقطاع. ومع أن كلاً من هذه السيناريوات، وربما غيرها، يندرج ضمن عنوان خيار العمليات البرية، إلا أنها تتفاوت في نسبة المخاطر المحفوفة بها، والمفاعيل التي قد تترتب عليها. وبالتالي فإن الاعتبارات التي تسهم في بلورة الموقف من كل منها، قد تختلف عن الآخر. والعامل الاساسي المحدد للمسار الواجب اتخاذه، هو تحديد الهدف من العملية البرية، والذي هو من صلاحية المستوى السياسي، بمشاركة من المستوى الامني والعسكري.
في كل الاحوال، وبالرغم من الحديث عن أن العملية البرية مطروحة على الطاولة، إلا أن غانتس أكد أنه «ما زال هناك الكثير لنفعله في الساعات والايام المقبلة»، مشدداً على أنه «لم نصل الى نهاية قدرتنا الهجومية».
واوضح غانتس أن الجيش سيوسع عملياته بحسب الحاجة، مضيفاً: «من الناحية الاستراتيجية، على قطاع غزة أن يختار الى أين سيذهب، الى تهدئة أو الى كارثة أمنية».
في السياق نفسه، وعلى خلفية الحديث المتزايد عن توسيع عمليات الجيش، وامكانية الدخول البري الى قطاع غزة، شدد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، على «أننا ندرس كافة الخيارات ومستعدون لكافة الخيارات».