بغداد | ترنو عيون العراقيين والمراقبين الإقليميين ظهر كل يوم جمعة، صوب مدينة كربلاء، حيث يستعيض المرجع الأعلى السيد علي السيستاني عن بياناته في السنوات الماضية، بخطب الجمعة السياسية التي يتلوها وكلاؤه في كربلاء.


يسمي العراقيون المرجع السيستاني بـ«حلّال الأزمات»، بعد أن تدخّل في معظم المشاكل والأزمات المفصلية التي مر بها العراق منذ عام 2003، كالاستفتاء على الدستور، والمشاركة الشعبية في أولى الانتخابات البرلمانية، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية الأولى عام 2005، بعد الضغط على الحاكم الأميركي بول بريمر، الذي أراد تشكيل حكومة مؤقتة طويلة الأمد، لكنه تراجع أمام ضغط المرجعية، فضلاً عن معارك النجف عام 2004، والضغط على الحكومات المتعاقبة لتقديم الخدمات والحد من مؤشرات الفساد.
وتتصدر خطب الجمعة لوكيلي المرجع السيستاني في كربلاء، اهتمامات الطبقة السياسية في العراق، والطبقات الاجتماعية المختلفة. وتتأتى أهمية الخطبة، من كونها تمثّل وجهة النظر الرسمية للسيستاني، واعتبارها النافذة الوحيدة للتعبير عن آراء وتوجيهات المرجعية إزاء الأحداث الآنية والمواضيع التي تتطلب موقفاً، وغالباً ما تتركز على محاور أساسية هي السياسة والأمن والخدمات والفساد. ويتناوب على إلقاء خطب السيستاني من على منبر الجمعة في الصحن الحسيني، كلاً من وكيليه الشيخ عبد المهدي الكربلائي والسيد أحمد الصافي، وهما يشغلان رئاسة العتبتين الحسينية والعباسية في كربلاء.


العزل كان مصير
من اعترض أو وجّه النقض للسيستاني
من السياسيين


ويترقب ساسة العراق ما يصدر من حديث للمرجعية في خطب الجمعة، ليسارعوا إلى إعلان التزامهم بطروحاتها. لكن الشائع لدى العراقيين، أن فورة الاستجابة تتركز في الإعلام فقط، من دون أن تأخذ طريقها إلى التطبيق، وخصوصاً عند المسؤولين التنفيذيين.
واعتمد السيستاني في بيان وجهات نظره حيال الأمور العامة والتطورات في البلاد على خطب الجمعة، بعد توقف مكتبه عن إصدار البيانات منذ ثلاث سنوات، تزامناً مع إغلاق مكتبه أمام الساسة العراقيين، وكان آخر بيان للمرجع السيستاني في 27 من شباط عام 2011، عقب تظاهرات 25 شباط التي اجتاحت العراق للمطالبة بالخدمات والقضاء على الفساد والمفسدين. حينها طالب السيستاني في بيانه الأخير، الساسة العراقيين بالتنازل عن امتيازاتهم وإلغاء المناصب غير الضرورية، واعتُبر حينها بمثابة الإنذار لهم، لكن الساسة مضوا في تشريع امتيازاتهم وإيجاد مناصب فخرية (3 نواب لرئيس الجمهورية).
وفي إحدى خطب الجمعة، في شباط الماضي، وجّه السيستاني ضربة للمسؤولين العراقيين ونواب البرلمان، عندما أفتى بعدم جواز انتخاب المسؤولين الذين صوتوا لامتيازاتهم في قانون التقاعد.
وخلال شهري آذار ونيسان الماضيين، قدّم وكيلا المرجع ملامح وتصورات المرشح المراد التصويت له في الانتخابات، من دون الخوض في الأسماء والعناوين. والتزم السيستاني الحياد، مكتفياً بالإشارة إلى ضرورة التغيير في الانتخابات، رغم محاولات المتنافسين السياسيين استغلال الإشارات الضمنية الواردة في حديث المرجع وتوجيهه لمصلحة قوائمهم أو أحزابهم.
ويقول السيستاني في أحد خطبه، إن المرجعية تعطي المسارات والخطوط العريضة لأي موضوع، وتترك حرية الاختيار للمواطنين.
وفي غمرة الأزمة الحالية، فاجأ المرجع السيستاني عبر خطبة الجمعة في 14 حزيران الماضي، بإعلانه الجهاد الكفائي للتصدي لمسلحي «الدولة الإسلامية»، الذين سيطروا على مدينتي الموصل وتكريت. واستجاب أكثر من 4 ملايين متطوع على الفور لفتوى المرجعية، وانخرط جزء كبير منهم في صفوف القوات الأمنية، فيما ينتظر الباقون إرسالهم إلى جبهات القتال. وقدّم السيستاني في خطبه الأخيرة، وصفة لشكل الحكومة القادمة، مؤكداً ضرورة أن تكون ذات مقبولية وطنية واسعة، وهي مواصفات لا تنسجم مع توقعات بعض الساسة باحتفاظ نوري المالكي بمنصبه، لأن أغلب القوائم الفائزة ترفض ترشيحه لولاية ثالثة.
وعلى الرغم من أن المالكي سارع بعد فترة وجيزة من خطبة الجمعة الماضية إلى إصدار بيان يعلن فيه أن قائمته وحدها صاحبة الحق الدستوري لتسمية مرشح رئاسة الوزراء، وتمسكه بمنصبه لولاية ثالثة، اعتبر أعضاء ائتلاف دولة القانون ما ذهب إليه المالكي غير مخالف لتوجيهات المرجعية، التي تمتاز خطاباتها بالشمولية والخطوط العامة من دون التطرق إلى المواضيع المصيرية بوضوح، مؤكدين أن خطبه تحمل عدة أوجه للتفسيرات.
ويترقب العراقيون هذه الأيام موقفاً حاسماً من السيستاني، يضع فيه النقاط على الحروف ويوقف مسسلسل الخروق الدستورية الناجمة عن فشل القادة السياسيين في الاتفاق على مرشحي الرئاسات الثلاث خلال الفترة المقررة، الأمر الذي أثار موجة غضب في الشارع العراقي الذي كان يأمل أن تنتهي أزمة مرشحي الرئاسات في الجلسة الأولى، والتفرغ للمعركة مع الإرهاب.
وكان السيستاني قد تخلى عن أسلوب البيانات النصية التي ينشرها عبر موقعه الإلكتروني، منذ عام 2011، واتخذ أسلوب الخطب السياسية في صلوات الجمعة لبيان موقفه إزاء الأحداث الجارية.
وعادةً ما تمتاز خطب المرجع الديني بالإيحاءات، وعدم التدخل في الأمور السياسية ما لم تلق بظلالها على الحياة الخدمية والاقتصادية التي تمس حياة المواطنين. حتى إنه التزم الصمت إزاء الأزمة السياسية الخانقة التي قادها العديد من القادة السياسيين، لسحب الثقة من المالكي عام 2012، لكنه كان يحذر من «المساس بالعملية السياسية» أو «الانقلاب على الدستور»، وتأثير الخلافات «الفئوية والحزبية على حياة المواطنين العامة»، ويدعو إلى «إنهاء الخلافات والجلوس إلى طاولة الحوار».
كذلك لم يعط رأياً مسانداً أو معارضاً لأي من الكتل السياسية إبان الحملات الانتخابية التي شهدها العراق منذ عام 2005 وحتى الآن، لكنه كان يدعو إلى المشاركة الواسعة، واختيار الأصلح، وتغيير الوجوه التي «خذلت المواطنين».
ولم يجرؤ أي من الساسة على تسجيل الاعتراض أو توجيه النقد للسيستاني، وجرّب عدد من النواب ذلك في سبيل الشهرة، وكان مصيرهم العزل من كتلهم كالنائب السابق في ائتلاف القانون حسين الأسدي.