خفتت أصوات الزمامير، فيما خلت الشوارع من السيارات، فالمدارس أغلقت بواباتها بعد ليلة أمضاها «مقاتلو المنهاج» من الملثمين في تعليق منشورات الإضراب رفضاً لمحاولات المنظومة الاحتلالية إلزام مدارس القدس بتبني منهاجها التعليمي، أو القبول بتحريف المنهاج الفلسطيني. إنه الإثنين المتصرّم، الذي لم يمضِ معهوداً في المدينة التي تستفيق على الصخب فيما عشرات الآلاف من التلامذة يشقون طرقهم إلى الصفوف والمعاهد.

القرار بالإضراب اتُّخذ هذه المرّة بإجماعٍ من القوى والفعاليات الوطنية المقدسية كافة، والمؤسسات التربوية والتعليمية على مختلف تصنيفاتها وأنواعها، فضلاً عن اتحاد لجان أولياء الطلاب، واتحاد المعلمين، ووزارتي شؤون القدس، والتربية والتعليم الفلسطينيتين. فالحرب المعلنة من سلطات الاحتلال ضد الأجيال المقدسية «تستوجب وحدتنا»، و«لن نسمح بأن يؤكل الثور الأسود حتى لا يأتي يوم يؤكل فيه الثور الأبيض»، كما يؤكد الناطق باسم اتحاد المعلمين، أحمد الصفدي في اتصال مع «الأخبار».
الحرب التي تشنّها منظومة الاحتلال المتكاملة على المنهاج التعليمي الفلسطيني في القدس غير جديدة. فبعد النكسة التي مُني بها العرب عام 1967، وسقوط أوّل عاصمة عربية كاملةً بيد الكيان، شرعت سلطات الأخير في محاولات فرض منهاجها التعليمي على المدارس المقدسية التي كانت تدرّس المنهاج الأردني. غير أن تلك المحاولات آلت إلى الفشل الذريع بسبب المقاومة الشرسة التي دافع بها التربويون والمعلمون والطلبة وأولياؤهم، عن المنهاج، تحت لواء حسني الأشهب ورفاقه.
لكنّ المحاولات الفاشلة لم تتوقف، فبعد توقيع اتفاق أوسلو بأعوام تبنّت مدارس القدس المنهاج التعليمي الفلسطيني. وبالرغم من أن المادة 22 من البند الرابع من «اتفاق أوسلو 2»، عام 1995، ألزمت السلطة بسقف لا يمكن تخطيه عند وضع المنهاج التعليمي؛ حيث نصت على أن «تضمن إسرائيل والمجلس بأن تساهم الأنظمة التعليمية الخاصة بهما في السلام بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، والسلام في المنطقة عامة، وسوف يمتنعان عن التقدم بأية مواضيع يمكن أن تؤثر بشكل عكسي على مسيرة المصالحة»، ظلّت شهية الاحتلال مفتوحة حيال تشويه الهوية ومكوّناتها، وتجهيل الأجيال، من طريق حرمانها من الرواية والسردية الفلسطينيتين.
ولأجل تحقيق هدفها بتنشئة أجيال مقدسية كاملة منسلخة عن شعبها الفلسطيني وامتدادها العربي، ظلّت تبتدع منظومة الاحتلال أساليب عديدة، وتضع خططاً لإحقاق السيطرة على مدارس القدس، مستعينةً بوزاراتها المختلفة، ومعاهد بحوثها المختصة برصد «خروقات السلام» في المناهج، فضلاً عن ممارسة الابتزاز بالميزانيات، مستغلةً الظروف القاسية التي تعاني منها المدارس الفلسطينية، وخصوصاً على مستوى البنى التحتية. ومنذ عام 2013 إلى اليوم نجحت سلطات الاحتلال جزئياً بمخططها، حيث باتت 50% من مدارس المدينة تتبنى منهاجها.

«الدولة عمّرت مدننا وقرانا العربية، وحسّنتها كثيراً... واستفاد الشيوخ والأطفال من التأمين الوطني... إذاً هيا ننشد نشيد الاستقلال (هتكفا الإسرائيلي)»!


وعلى هذه الخلفية، فإنه لم يكن بالأمر الجديد أن تهدد سلطات الاحتلال، مطلع العام الدراسي الحالي، مدرستي الإيمان والإبراهيمية الفلسطينيتين بسحب تراخيصهما إذا ما لم تتبعا منهاجها، أو تدريس المنهاج الفلسطيني المحُرف، فضلاً عن تهديدها لتسع مدارس خاصة أخرى بهدم بعض مرافقها بحجة «البناء من دون ترخيص». غير أن تلامذة حسني الأشهب و«مريديه» قرروا الوقوف وقفة «رجل واحد»، معلنين الإضراب العام رفضاً لفرض الرواية الاحتلالية على الطلبة. وقبل ذلك، كان أولياء الأمور قد وزّعوا المنهاج الفلسطيني الأصلي على الطلبة تحديداً في المدرسة الإبراهيمية، وبعد التهديد، تخوّف الطلبة من إحضار الكتب الأصلية تحسباً من «كَبسة» مفاجأة من سلطات الاحتلال قد تصادر خلالها الكتب، وتنفذ تهديدها بسحب الترخيص.

الأسرلة لن تمر
«شلومو ليس جارنا الذي نزوره. نحن لسنا ضد اليهود، ولكننا ضد الصهيونية». هذا ما قاله المتحدث باسم «اتحاد المعلمين»، المهندس، والمُدرّس السابق، أحمد الصفدي. لكنّ المنهاج الإسرائيلي يريد من الطلبة غير ذلك، ففي أحد النصوص الواردة ضمن أحد كتب المنهاج الإسرائيلي يُروّج تسامحاً مع «شلومو جارنا الجديد»، «جارنا» ذاته الذي يقتل الفلسطينيين في الشوارع، ويقصف بطائراته أجساد أطفال غزة، وهو ذاته الذي يسرح ويمرح في مدن وقرى هجّرت دولته أهلها قبل 74 عاماً لتسكنه وأقرانه فيها. وهو نفسه الذي يشن اليوم حرباً على المنهاج.
لا يتوقف الأمر عند ارتجاء السلام «الساذج» وترسيخه، فلم تعد فلسطين بكل رموزها في المنهاج، بدءاً من العَلَم، وصولاً إلى الجندي، وليس نهاية عند اسمها بالتحديد الذي استُبدل بـ«إسرائيل» وحولها أعلام دول الطوق. المنهاج ينكر أيضاً وجود فلسطين إطلاقاً فـ«الدولة عمّرت مدننا وقرانا العربية، وحسّنتها كثيراً... واستفاد الشيوخ والأطفال من التأمين الوطني... إذاً هيا ننشد نشيد الاستقلال (هتكفا الإسرائيلي)»! وكأن هذا الاحتلال هو منّة، على الفلسطينيين أن يحمدوا ربهم لوجوده، فضلاً عن كونه يجبر الفلسطينيين على دراسة إنتاج أدبائه وشعرائه، وكأنّ هؤلاء «مقطوعون من شجرة»، وليس لهم أدباء وشعراء وعلماء على امتداد التاريخ.
وفي الإطار، يُشير الصفدي إلى أنه «بخلاف المنهاج الفلسطيني الذي أصلاً هو دون المستوى المطلوب لناحية المضامين الهوياتية، فإن المنهاج الإسرائيلي العبري هو الذي يحرّض على الكراهية والعنف والتمييز ضد الفلسطينيين».
هذه العملية التضليلية التي تمارسها سلطات الاحتلال «لن تمر مرور الكرام»، صحيح أنه «نريد لطلابنا أن يتعلموا والإضراب هو إحدى الوسائل والأدوات للاحتجاج، ولعله لا يكون أفضلها». لكن «نحن عازمون على المضي في الدفاع عن منهاجنا الذي يرسّخ هويتنا الفلسطينية ومكوّناتها. فهذا حق لنا ولن يمنّ أحد علينا به»، كما يؤكد الصفدي، مشيراً إلى أن العام الحالي عنوانه «التحدي التعليمي في القدس»، وسيتحقق ذلك بفضل «منظومة دفاعية متكاملة عن المنهاج». وانطلاقاً من ذلك، فإن «لجنة الطوارئ» التي تضم ممثلي الأجسام كافة التي تُعنى بالتعليم، وتنعقد أسبوعياً «ستتخذ خطوات تصعيدية، قد تتضمن تعليقاً جزئياً للدوام الدراسي»، فضلاً عن «توزيع نشرات توعوية، وتكثيف الحملات الإعلامية والتثقيفية للطلاب». إضافة إلى ذلك، تعتزم اللجنة، «عرض القضية أمام القنصليات الأجنبية في المدينة، وتجنيد الدعم المالي للمؤسسات التربوية المقدسية، علاوة على تقوية اتحاد المعلمين ولجان أولياء أمور الطلاب».
في المحصّلة، فإن القدس التي أثبت أهلها أنهم عصيّون على الخضوع، يجد أبناؤها اليوم أنفسهم في خضمّ معركة للدفاع عن هويتهم وحقهم في تعلّم المضامين التي تتساوق مع الرواية والتاريخ والسردية الفلسطينية، وليس الرواية الاحتلالية التي تتنكر لذلك. من الصحيح أن الحرب «طاحنة»، ولكنّ المحاربين هذه المرّة قالوها: «فليشهد التاريخ أن مؤامرة أسرلة التعليم في القدس لن تمر».