رام الله | لا يبدو أن الاتفاق الذي جرى التوصّل إليه في مدينة نابلس، لتطويق ذيول المواجهات الأخيرة بين الأهالي والأجهزة الأمنية الفلسطينية، سيحول دون تكرار هذا السيناريو في المدينة نفسها أو في جنين أو في أيّ منطقة من الضفّة الغربية، بل ثمّة توقّعات بأن يغري الاتفاق السلطة بتصعيد عمليات ملاحقتها للمقاومين والمطارَدين. وعلى رغم أن المؤسّسات والفعاليات والفصائل «النابلسية» لم تمانع إبرام تفاهم يجنّب الأراضي المحتلّة سيناريو الاقتتال الأهلي، لِما تُدركه من عواقب لذلك على حالة المقاومة المتنامية في الضفة، فإن هذه الحالة لا يبدو إلى الآن أن ثمّة شيئاً سيعيق تطوّرها، وهو ما ينبئ به الاستنفار العالي المستوى لدى الاحتلال تحسّباً لموجة عمليات نوعية خلال «الأعياد اليهودية»


لم تكد ساعات تمرّ على الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه مساء الأربعاء لتطويق الأحداث والاحتجاجات الشعبية التي شهدتها مدينة نابلس في أعقاب اعتقال أجهزة الأمن الفلسطينية، المطلوبَين للاحتلال مصعب اشتية وعميد طبيلة، حتى عاودت هذه الأجهزة استعراض القوّة في المدينة، من طريق نشْر دوريّاتها وعناصرها في شوارعها وأحيائها، وشنّها حملة اعتقالات واسعة طاولت نحو 20 شابّاً. ولم تكن تلك الحملة مُفاجِئة، بل يُتوقّع لها أن تتوسّع في الأيام المقبلة، في ما يمثّل ضرباً عرْض الحائط بالاتفاق، الذي نصّ على عدم ملاحقة أيّ شخص على خلفيّة مشاركته في الاحتجاجات المُشار إليها، وإطلاق سراح مَن اعتُقلوا بسببها، وهو الأمر الذي لم يتمّ، إذ افتقر الاتفاق الذي جرى إبرامه بجهود بذلتْها أطراف عدّة منها حركة «فتح» في البلدة القديمة في نابلس، و«لجنة المؤسّسات والفعّاليات» في المدينة، إلى أيّ ضمانات أو تعهّدات واضحة، سواءً لناحية متابعة ملفّ اشتية بصورة مُرضية، أو بشأن اعتبار حالة المقاومين المطارَدين «حالة وطنية» لا تجوز ملاحقتها بدواعٍ أمنية، أو لجهة الإفراج عن المعتقَلين وعدم تجديد الاعتقالات.
وعلى خلفيّة ذلك، قرأ البعض في ما جرى انتصاراً للأجهزة الأمنية، وتخلّياً عن المقاوم اشتية من قِبَل مجموعات «عرين الأسود» في نابلس، وهو ما نفتْه الأخيرة في بيان صحافي، مؤكدةً «(أنّنا) لا ولن نتخلّى عن أخينا مصعب اشتية، المطلوب لقوّات الاحتلال والمُختطَف حالياً من قِبَل قوّات السلطة والمحتجَز في سجن أريحا مع الشاب ابن مدينة نابلس، عميد طبيلة، ونؤكد أن مصعب صاحب فكرة والفكرة لا تموت»، مضيفة «أنّنا في عرين الأسود قد كَظمنا غيظنا، وقبلْنا بالحلّ الذي عُرض علينا كرامةً للشهداء وحقناً للدم الفلسطيني وحفاظاً على السلم الأهلي، راجين الوفاء بالوعود والقرارات التي خرج بها اجتماع أمس». ومنذ اعتقاله، تسعى الأجهزة الأمنية لسوْق روايات عن اشتية كمبرّر لملاحقته، من خلال التركيز مثلاً على أن مصعب عمل على تجنيد الشبّان وتسليحهم، وهي الرواية التي نقلها مراسل «القناة 12» العبرية، أوهاد حمو، عن مصادر فلسطينية لم يُسمّها، قالت إن «اشتية شخصية ذات مهام استراتيجية لحركة حماس في حيّ القصبة في مدينة نابلس، وقد كان هدفاً لوحدة اليمام الإسرائيلية قبل شهرَين على خلفيّة نشاطه لتجنيد عناصر للحركة بتمويل إيراني، وإنه تلقّى تعليمات لتجنيد عناصر في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، كما قام بتجنيد آخرين واشترى أسلحة وذخيرة بمليون دولار من دون ترك أيّ بصمات لحماس».

لا يبدو أن اتفاق نابلس سيلجم الأجهزة الأمنية، بل الظاهر أنه سيُغريها بإطلاق يدها بقوّة أكبر


وعلى أيّ حال، لا يبدو أن اتفاق نابلس سيلجم الأجهزة الأمنية، بل الظاهر أنه سيُغريها بإطلاق يدها بقوّة أكبر، لا في نابلس فقط، وإنّما أيضاً في جنين، التي شهدت محاولة فاشلة لاعتقال أحد المطلوبين من حركة «حماس» في اليوم نفسه لاعتقال اشتية. وهي ستستند في ذلك إلى وجود قرار سياسي - أمني، وذريعة تُلوّح بها أمام الأهالي عنوانها الفلتان الأمني والفوضى وتداعياتهما. ومن هنا، لا يُستبعد أن تتكرّر أحداث ليل الإثنين - الثلاثاء في نابلس أو جنين أو أيّ مدينة في الضفة الغربية، خصوصاً أن تلك الأحداث أظهرت وجود غضب عارم في الشارع تجاه السلطة وسياساتها، دفع الشبّان إلى كسر خوفهم من الأجهزة الأمنية، وخوْض مواجهات طالما اقتصرت على قوّات الاحتلال خلال اقتحامها البلدات والمدن الفلسطينية، فيما شكّلت المواجهات اختباراً لمدى استعداد السلطة للمضيّ بعيداً في استفزاز الشارع.
مع ذلك، يَعتبر الناطق باسم «مؤسّسات وفعّاليات محافظة نابلس»، غسان حمدان، أن «اعتقالات الخميس لا تُعدّ خرقاً للاتفاق المبرم لاحتواء أحداث نابلس، بل لها علاقة بالمطلوبين على أساس عمليات التخريب والسرقة والاعتداء على ممتلكات المواطنين التي جرت، وهؤلاء لم يشملهم الاتفاق، وبالتالي لم نوفّر لهم الحماية ورفَعنا الغطاء عنهم، أمّا مَن لهم علاقة بالأحداث سواءً كضرب حجارة أو إشعال إطارات، فيَشملهم الاتفاق». ويؤكد حمدان، في حديث إلى «الأخبار»، أنه «منذ التوصّل إلى الاتفاق، وهناك متابعة لتثبيت تفاصيله، وتحديداً في مسألتَين: الأولى المتعلّقة بملفّ مصعب اشتية، وقريباً سيتمّ تشكيل لجنة لزيارته في السجن للاطّلاع على أوضاعه؛ والمسألة الأخرى متّصلة باعتقالات الشبّان خلال الأحداث، ونحن نطالب بإخلاء سبيلهم كونهم جزءاً من حالة عامّة». وحول ما إنْ كان التفاهم بشأن مصعب يشمل الإفراج عنه أو يقتصر على متابعة وضعه وزيارته، يقول حمدان: «موقفنا واضح، وهو الإفراج عنه لأنّنا ضدّ الاعتقال السياسي، وهو خطّ أحمر سواء هنا أو في غزة، ولكنّ اللجنة ستكون لها مهمّتان، وهي زيارته والاطّلاع على أوضاعه الصحّية، والمسألة الأخرى متابعة ملفّه وطموحنا أن يتمّ الإفراج عنه وهذا موقفنا».
وانطوت أحداث نابلس على خطورة على حالة المقاومة المتنامية في الضفة الغربية، كونها تمثّل إحدى أدوات الضغط عليها وعلى دورها وصورتها أمام المجتمع المحلّي، من بوّابة الخوف من الفوضى وسفك الدم الفلسطيني، ولكنّها في كلّ الأحوال لم تُكبّل يديها، أو تحبط مسارها نموّها واتّساعها في مواجهة الاحتلال. وفي هذا السياق، استهدف مقاوِمون من مجموعات «عرين الأسود» في نابلس، أمس، حاجز صرة العسكري، ومستوطنة «براخا» المُقامة على أراضي نابلس، بينما تعرّضت عدّة مواقع للعدو في الخليل لإطلاق نار، وجرى استهداف مركبة للمستوطِنين قرب مخيم الفوار بالزجاجات الحارقة. كذلك، رُصد انتشار ملثّمين ينتمون إلى «حماس» في بلدة بيت أمر، أثناء تعليقهم «بوسترات» في الشوارع تضامناً مع المقاوم اشتية، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى إرسال تعزيزات إلى البلدة.
وجاء ذلك في وقت لا يزال فيه التأهّب لدى قوات العدو مرتفع المستوى، نظراً إلى وجود عشرات الإنذارات من وقوع عمليات في الأراضي المحتلّة. وفي هذا الإطار، أعلن المفتّش العام لشرطة الاحتلال، يعقوب شبتاي، أمس رفع حالة التأهّب إلى «أعلى مستوى» في صفوف قوّاته، على أساس«ارتفاع كبير في عدد الإنذارات» التي تلقّاها الجهاز، حول «مخطّطات ونوايا» لتنفيذ عمليات، وذلك بدءاً من مساء يوم السبت المقبل، حتى نهاية فترة الأعياد اليهودية في 17 تشرين الأول. وكانت شرطة الاحتلال قد شرعت في سلسلة إجراءات، شملت نشْر آلاف العناصر في مناطق مكتظّة، مع التركيز على نحو خاص على مدينة القدس المحتلة، ونصْب حواجز ونقاط تفتيش على الطرق وفي مراكز التسوق والترفيه والمعابد ومناطق التجمهر.