غزة | بالتزامن مع حالة الاشتباك الميداني بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، يفتح الطرفان نار الحرب النفسية أحدهما على الآخر، في محاولة كل جهة لإضعاف جبهة الأخرى الداخلية وإرباكها. وما من شك أن الطرفين قد أصابا حيناً وأخفقا حيناً آخر، لكن في المجمل، فإن أذرع المقاومة وجهت رسائل جيدة هذه المرة فاقت رسائل العدو التي بدت كأنها مستنسخة عن رسائلها النفسية السابقة التي كانت تبثّها في كل جولة تصعيد. يوضح متخصصون في علم النفس الأمني أن المفارقة، في هذا الإطار، تكمن في أن الفلسطينيين لم يعودوا يهابون «البرقيات الورقية» التي تلقيها الطائرات الحربية عليهم بهدف تأليب السكان المدنيين على المقاومة ودفعهم تجاه إخلاء منازلهم، خاصة الحدودية، من مدخل الخشية على أرواحهم.


في مقابل ذلك، شنّت المقاومة هجوماً عنيفاً على الروح المعنوية لدى الجمهور الإسرائيلي، عبر بثها فيديوات باللغة العبرية تكشف فيها قدراتها العسكرية في ما يخص الصواريخ المتوسطة المدى وفرق الكوماندوز البحرية، إضافة إلى مطالبتهم بضرورة النزوح عن أماكن إقامتهم، فضلاً عن اختراق مواقع إلكترونية وبثّ رسائل عبرها، ولا تنسى خطوتها بكشف أرقام وأسماء آلاف الضباط الإسرائيليين في الحرب الماضية.
هذه الرسائل، يرى فيها أستاذ علم النفس الأمني في كلية فلسطين الأمنية في غزة، إسماعيل أبو ركاب، أنها محاولة للتأثير في أفكار الجبهة الداخلية، «ثم على مشاعرها وسلوكها الإنساني، وعليه فهي محاولة لإضعاف الروح المعنوية لدى الاحتلال والإسرائيليين عموماً». ويقول لـ«الأخبار»: «كل طرف من طرفي الصراع يعلم نقاط الضعف لدى الآخر، ويحاول التركيز عليها من أجل ليّ الذراع، لكن نقطة الضعف لدى الفلسطينيين، المتعلقة باستباحة الدم وقتل المدنيين، لم تؤثّر في المقاومة، بدليل تصاعد عملياتها ضد الاحتلال وبقاء التأييد الشعبي حاضراً».


يتحدث متخصّصون
عن فبركة إسرائيلية في شريط عملية «زيكيم»

يوضح أبو ركاب في هذا الإطار أن «التركيبة النفسية للمقاومة صلبة، وتعتمد على الجانب الديني الروحاني، وهذا ما يساعد في رفع الروح المعنوية لديها، على عكس الاحتلال الذي تربكه رؤية الصواريخ وطول القتال»، مؤكداً أن «الاحتلال يحاول برسائله التأثير في المواطنين، لتقويض همّة المقاومة، ويطبق ذلك عملياً باستهداف المنازل والأماكن العامة». على طرف مقابل، يعتقد أستاذ علم النفس الأمني أن «المقاومة نجحت في إيصال رسائلها النفسية التي بنتها على الخبرات السابقة»، مشيداً بالحرب الإعلامية التي تقودها الأذرع العسكرية للفصائل «وتعتمد على أسس علمية بحتة تهدف إلى رفع الروح المعنوية للشعب الفلسطيني والتأثير في المقابل في جبهة العدو».
في الإطار، يقول عدد من المراقبين الأمنيين في الساحة الفلسطينية إن استخدام لغة التهديد وضرب المدنيين من العدو كان بسبب غياب المعلومات عن دوائر الاستخبارات في تل أبيب، بشأن وجود المقاومين ومناطق تخزين السلاح. ومن المهم الإشارة هنا إلى اعتراف ضابط في الجيش الإسرائيلي بأنه «ما زال في حوزة حماس والجهاد الإسلامي المئات من الصواريخ التي لا نعلم عنها، بخلاف ما حدث خلال عملية عمود السحاب، حين جرى تدمير نصف مخزون الصواريخ البعيدة المدى لدى حماس، منذ الضربات الجوية الأولى»، وفق ما نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت».
وعلى هذا، يعلق أبو ركاب: «من يملك المعلومة يملك القوة، لهذا فإن إسرائيل تحاول أن تستعيد قوتها على حساب المدنيين على ضوء افتقادها المعلومة الأمنية الزخمة»، مع إشارته إلى أن الاحتلال يحاول فبركة المعلومات لدى جبهته الداخلية «حتى يغيّر نظرة المجتمع تجاه الأمن الإسرائيلي عموماً».
غموض الحالة الأمنية القائمة بالنسبة إلى الاحتلال، يرى فيها الخبير الأمني إبراهيم حبيب أنها تحاكي نموذج حرب تموز على لبنان في عام 2006 «التي كان ينتظر خلالها الشعب الإسرائيلي خطابات السيد حسن نصرالله لمعرفة ما آلت إليه المعركة، في ظل افتقاد القيادة الإسرائيلية المعلومات الدقيقة وتخبطها الأمني». ورأى حبيب، في حديث مع «الأخبار»، أنه «من الواضح أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية باتت لا تصدق إعلامها وقيادتها، لكثرة ادعاءاتهم غير الحقيقية، لذلك هي تتأثر برسائل المقاومة التي تبثّ بين حين وآخر»، معبّراً عن اعتقاده بأن «المقاومة خلقت حالة إرباك لدى الإسرائيليين، جراء بث فيديوات تتعلق بقدراتها العسكرية».
أما على صعيد الرسائل الإسرائيلية المتعلقة بالتحذيرات التي يوجّهها ضباط الاستخبارات إلى الفلسطينيين، عبر رسائل (SMS) والاتصالات المباشرة للتحذير من التعاون مع المقاومة والمطالبة بإخلاء منازلهم، فيقرأ فيها الخبير الأمني أنها محاولة لإرباك الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن تلك الرسائل تأتي في إطار حالة الإفلاس الاستخباري التي تعاني منها الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية.
وفي إطار عمليات الحرب النفسية، التي تعتبر وفق خبراء علم النفس من أسلحة الحرب غير القاتلة، كشف متخصصون في مجال التكنولوجيا «محاولة الاحتلال فبركة الفيديو المتعلق بمداهمة عناصر من كتائب القسام، الذراع المسلّحة لحركة «حماس»، قاعدة زيكيم العسكرية على شواطئ بحر عسقلان، وادّعاء قتلهم قبل تحقيق أي أهداف أو إصابة أي من الجنود». ويعلّل حبيب هذه الفبركة بأنها «محاولة من مقص الرقابة الاستخباري للتغطية على اختراق ترسانته العسكرية والضربة القوية التي تعرّض لها على يد مجموعة بسيطة من فرق الكوماندوز التابعة للمقاومة».
وقال: «كان واضحاً أن إسرائيل تألمت جراء هذه العملية التي تكررت على مدى يومين متتاليين، عبر فرقتين مختلفتين من الغواصة الفلسطينيين، لهذا أغلقت شواطئها بالكامل أمام المصطافين، خشية على أرواحهم». وأضاف أن «أكثر ما يربك الاحتلال في هذا التوقيت قدرة المقاومة على الاختفاء والتمويه، وهذا ما يؤدي إلى إرهاق المؤسسة العسكرية ويدفعها إلى بذل كل الجهود الأمنية والاستخبارية، في سبيل الكشف عن أماكن وجود المقاومة ومخزون صواريخها».
على وقع الحرب النفسية التي تمارسها إسرائيل، دعت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة الفلسطينيين إلى منع التعاطي أو الالتفات إلى الحرب النفسية التي ينفذها الاحتلال، ونشره الشائعات عبر وسائل إعلامه وإلقائه المنشورات والاتصالات على هواتف المواطنين. كذلك طالبتهم «برفض الاستجابة لكل هذه الوسائل التي تهدف إلى إضعاف جبهتنا الداخلية في ظل الصمود الكبير لشعبنا في مواجهة العدوان»، معتبرة أن «ما يفعله الاحتلال يعبّر عن فشله وتخبّطه الاستخباري في غزة».




«جمعة البنيان المرصوص» اليوم

دعت أكثر من ثلاثين مؤسسة غير حكومية حول العالم إلى وقفة للتضامن مع الشعب الفلسطيني، عبر الاحتشاد في الساحات، اليوم، تحت اسم «جمعة البنيان المرصوص»، وذلك «إكباراً للمبادرة الفاعلة للمقاومة الفلسطينيّة أمام إرهاب الدولة الذي يمارسه الكيان الصهيوني»، على أن تكون هذه الوقفات «بداية حراك تصاعديّ يرقى إلى مستوى التضحية التي يبذلها الشعب الفلسطيني الأبيّ»، بحسب بيان مشترك أصدرته الحملة العالميّة للعودة إلى فلسطين مع منظمات عالمية أخرى؛ منها: جامعة الأمة العربية (سوريا)، الاتحاد العالمي للشباب المناهض للاحتلال (إيران)، جمعية Stop the war coalition (بريطانيا)، جمعية مقاطعة داعمي الكيان الصهيوني (لبنان)، جمعية فلسطين الحرة (الولايات المتحدة الأميركية)، وغيرها.