بغداد | استمر مسلسل تبادل الاتهامات بين بغداد وأربيل. فبعد اتهام رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، أول من أمس، للأكراد بإيواء إرهابيين في الإقليم، ردّت رئاسة الإقليم بقسوة، معتبرةً أن المالكي «أصيب بالهستيريا وفقد توازنه».


ورأت أن المالكي «يحاول بكل ما أمكن تبرير أخطائه وفشله وإلقاء مسؤولية الفشل على الآخرين».
وقالت رئاسة إقليم شمال العراق، في بيان مساء أول من أمس، إن «الموجودين في أربيل هربوا من الدكتاتورية التي هربت منها، ونفتخر بأن نكون ملجأً للمظلومين».
وأضاف «في حديثه الأسبوعي الأربعاء، سمعنا السيد المالكي يكيل الاتهامات الباطلة لمدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان، وعندما ندقق في أقواله نستنتج أن الرجل قد أصيب بالهستيريا فعلاً وفقد توازنه».
وأضاف البيان أن «المالكي يحاول بكل ما أمكن تبرير أخطائه وفشله وإلقاء مسؤولية الفشل على الآخرين».
وأضاف البيان مخاطباً المالكي، إن «أربيل ليست مكاناً لداعش وأمثال داعش، وإن مكان الداعشيين عندك أنت حينما سلّمت أرض العراق ومعدّات ستّ فرق عسكرية إلى داعش. أنت الذي لملمت جنرالات البعث حولك ولم يصمدوا ساعة واحدة، ولا ندري كيف وبأي وجه تأتي وتتهم الآن وتتحدث من على شاشات التلفزيون».
ومضى البيان قائلاً «نقول لك فقط عليك الاعتذار للشعب العراقي وترك الكرسي، لأنك دمّرت البلاد، ومن يدمّر البلاد لا يمكنه إنقاذها من الأزمات».
إلا أن من يرى حال العلاقة بين المالكي والبرزاني اليوم، سيكون من الصعب عليه تصديق أن الطرفين كانا في ما مضى حلفاء في خندق واحد لأكثر من ثلاثين عاماً، حيث شكّلت ساحات القتال، ومعارك الشمال، والنضال ضد النظام البعثي، وإسقاط صدام حسين، والمرحلة الانتقالية العراقية، حقبة زمنية مشتركة بين الزعيمين العراقيين البارزين.
اتفاق في المواقف ورؤى مشتركة أسّست لعملية سياسية جديدة بين زعماء المعارضتين (سابقاً)، الكردية والشيعية، تحولت بعد أكثر من ثلاثة عقود من التحالفات إلى تبادل اتهامات قاسية.
أقام نوري المالكي مطلع ثمانينيات القرن الماضي بين جبال كردستان، حيث كان أحد أعضاء معسكر «الشهيد الصدر»، الجناح العسكري لحزب الدعوة الإسلامية، وطهران، مركز قيادة المعارضة الإسلامية العراقية آنذاك. التقى بمسعود البرزاني في إحدى قرى ومعاقل الحزب الديموقراطي الكردستاني، عندما كان معسكر الشهيد الصدر يمثل نقطة عسكرية صغيرة، تخطط لعمليات اغتيال نوعية، في وقت كان فيه الحزب الديموقراطي ذا نزعة انفصالية، يخطط لشن هجمات عسكرية على الجيش العراقي من أجل استعادة المناطق الكردية، أو صدّ الهجمات الارتدادية من قبل الجيش العراقي آنذاك.


تحالف استمر
30 عاماً أطاحه
المالكي لخلاف
مع البرزاني

أوجه العلاقة بينهما أخذت طابعها الرسمي بعد أشهر من سقوط النظام السابق، وتشكيل مجلس الحكم العراقي، وانطلاق أولى المباحثات والمفاوضات بين الأحزاب الإسلامية الشيعية والكردية.
في عام 2005 احتل المالكي مقعداً في أول برلمان عراقي منتخب، وعُرف بـ«شرطي التحالف» لجمعه الأدلة والبراهين ضد العديد من النواب الذين وُصفوا بـ«المتعاونين مع الإرهاب»، وفي ذلك العام أقنع المالكي كتلة التحالف الكردستاني في البرلمان بالتصويت لرفع الحصانة عن النائب عبد الناصر الجنابي، المتهم بقضايا إرهابية لمحاكمته، ونجح في ذلك بعد إجرائه اتصالات بالبرزاني وجلال طالباني.
عندما انتهت فترة تولّي المالكي لرئاسة الحكومة بحلول عام 2009، وأظهرت نتائج الانتخابات فوز القائمة العراقية بغالبية الأصوات، اضطر المالكي إلى العودة إلى أحضان التحالف الوطني لتشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر، لكن الحكومة لم تتشكل، وعجز كل قادة الكتل السياسية عن التوصل إلى حلول مجدية. إلا أن رئيس الإقليم مسعود البرزاني أجرى جولة مباحثات بالاتفاق مع عدد من دول الإقليم، وتمكن من إقناع جميع الفرقاء بالجلوس على طاولة واحدة، والقبول بالمالكي رئيساً للوزراء، وأقام مؤتمر أربيل عام 2010، ليتم تنصيب المالكي رئيساً لولاية ثانية، وفقاً لاتفاقات نص عليها المؤتمر.
فوجئ البرزاني بعدها باتباع المالكي أسلوب التجاهل والتغاضي عن البنود المتفق عليها في مؤتمر أربيل، ولا سيما ما يخص مجلس السياسات الاستراتيجية، والتوافقات السياسية، والإصلاحات التنفيذية، وما يتعلق بالقضايا المصيرية.
عام 2012 كانت بداية تبادل الاتهامات بين البرزاني والمالكي، إذ اتهم الأول الثاني بخرق اتفاقية أربيل، التي بقيت سرية ولم يكشف عن تفاصيلها إلا بعد أشهر من إجراءات سحب الثقة عن المالكي في العام ذاته. وسبقت الاتهامات هذه خطابات وتهاتفات بين الجانبين بخصوص العديد من بنود اتفاقية مؤتمر أربيل.
تلى ذلك تحشيد سياسي قاده إياد علاوي والبرزاني، بمباركة مقتدى الصدر، لسحب الثقة من المالكي بدعوى عدم تنفيذه لأي من بنود اتفاقية أربيل، أدى إلى أزمة سياسية خانقة. إلا أن مساعي القادة اصطدمت برفض رئيس الجمهورية جلال الطالباني سحب الثقة من رئيس الوزراء، إذ إن الدستور العراقي ينص بمادته (61) على ضرورة قيام رئيس الجمهورية بقبول طلب البرلمان المقدم بموافقة الأغلبية المطلقة للنواب، لسحب الثقة من رئيس الوزراء.
من هنا كانت نقطة انطلاقة الخلافات الطويلة بين القياديين، في وقت عاش فيه العراق فترة ازدهار مالية نتيجة جولات التراخيص النفطية وارتفاع صادرات النفط إلى أكثر من الضعف.
في هذا الوقت، اختار البرزاني النأي بقرارات الإقليم عن المركز، حتى في القضايا المصيرية، كتصدير النفط والثروات، والرد بالمثل على رئيس الوزراء، الأمر الذي ولّد خلافاً إدارياً بين المركز والإقليم، لا تزال تبعاته ماثلة حتى اللحظة.
وأثناء انطلاق الدعاية الانتخابية، اختار رئيس الإقليم أن يرفع شعار رفض الولاية الثالثة للمالكي في كل تصريحاته الإعلامية، بل اعتبره «الشخص الكارثة». وردّ المالكي في دعايته الانتخابية بالقول إن «النفط ملك للشعب، ولن نسمح لأي كان بسرقته»، في إشارة واضحة إلى تصدير كردستان النفط من دون العودة إلى الحكومة الاتحادية.
أما اليوم، وبينما تزداد الخلافات وتتسع الأزمة بين الاثنين، تطيح ماكينات العنف والإرهاب العشرات من المواطنين يومياً، في وقت لا يجد فيه الفرقاء السياسيون أي منافذ لتشكيل الحكومة الجديدة.