رام الله | يتصاعد التحريض الإسرائيلي ضدّ مدينتَي جنين ونابلس، باعتبارهما المسؤولتَين عمّا يجري في الضفة الغربية المحتّلة. تحريضٌ يتزامن مع رفع الأجهزة الأمنية للعدو، حالة التأهّب، والتلويح بشنّ عملية عسكرية واسعة النطاق تحاكي عملية «السور الواقي» في عام 2002، فيما تزيد ضغوطها على السلطة الفلسطينية للتدخُّل بقوّة ضدّ عناصر المقاومة في جنين ونابلس. وعلى رغم حالة الاشتباك الممتدّة في الضفة، يبقى المسجد الأقصى بؤرة الاهتمام، كونه يُعدّ من أقوى الصواعق لتفجير الأحداث، في ظلّ دعوات المستوطنين إلى تنفيذ أكبر اقتحام في التاريخ يومَي 26 و27 أيلول الجاري، احتفالاً بـ«رأس السنة العبرية»


تزداد المؤشرات إلى تمدُّد حالة المقاومة والاشتباك في الضفة الغربية المحتلّة، بفعل تصاعد وتيرة العمليات، وآخرها إقدام شباّن على رَمْي زجاجات حارقة على برج عسكري ينام فيه جنود العدو، ما أدّى إلى إصابة سبعة منهم بجروح وحروق. وجاءت هذه العملية بعد أقلّ من 24 ساعة على إصابة مستوطن جرّاء إطلاق مقاومين النار عليه، في مستوطنة «كرمي تسور» شمال محافظة الخليل. وما تعيشه الضفة الغربية من إرهاصات، اليوم، هو أقرب ما يكون إلى انتفاضة بات انفجارها وشيكاً، في ظلّ تزايد الصواعق التي تنتظر شرارةً، في وقت يغلي الشارع الفلسطيني. ففي مدينة جنين، شيّع آلاف الفلسطينيين الشهيد حمد أبو جلدة، المنتمي إلى «كتائب شهداء الأقصى»، والذي قضى متأثّراً بإصابته، خلال تصدّيه لاقتحام قوات العدو خلال هدمها منزل الشهيد رعد خازم، قبل أيّام. وعمّ الحداد المدينة، بينما أعلنت مجموعات «عرين الأسود» مسؤولّيتها عن تفجير عبوة ناسفة في محيط مستوطنة «براخا» جنوب نابلس، فيما تعيش عشرات البلدات والقرى مواجهات مع جنود الاحتلال والمستوطنين.
في هذا الوقت، لا يزال التحريض الإسرائيلي ضدّ مدينتَي جنين ونابلس مستمرّاً ومتصاعداً، باعتبارهما المسؤولتَين عمّا يجري في الضفة. وهو تحريض تزامن مع رفْع أجهزة العدو الأمنية، أمس، حالة التأهّب على خلفيّة ورود عشرات الإنذارات لها بتنفيذ عمليات انطلاقاً من مناطق شمال الضفة، وتحديداً من جنين ونابلس، بحسب ما أوردت «القناة 11» العبرية، نقلاً عن مسؤولين أمنيين قالوا إن «كمّ الإنذارات الذي وصل كبير جداً ومتطرّف، مقارنةً بالسنوات الأخيرة»، فيما طالبت شرطة الاحتلال، المستوطنين بتوخّي الحذر والاتصال، حالَ وجود أيّ شبهات، وقرّرت تعزيز تواجدها في الأماكن المكتظّة داخل المدن. ويبدو أن الاحتلال وجد في التسريبات حول وجود عشرات الإنذارات، ذريعةً للتهديد والتلويح بشنّ عملية عسكرية واسعة شمال الضفة الغربية، على غرار عملية «السور الواقي» في عام 2002. وكشفت مصادر عبرية أن جيش العدو بدأ استعداداته لتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق لمواجهة تنامي ظاهرة الخلايا المسلّحة، وأن الأيّام القليلة المقبلة ستكون بمثابة الفرصة الأخيرة للسلطة الفلسطينية لبسطْ سيطرتها على شمال الضفة.
وإلى الضغوط الإسرائيلية والأميركية التي تمارَس على السلطة من أجل التدخُّل بقوّة في جنين ونابلس ضدّ عناصر المقاومة، يبدو أن قطر دخلت طرفاً، مدفوعةً إلى ذلك من قِبَل إسرائيل، وفق ما ذكرته صحيفة «هآرتس»، أمس. وكشفت الصحيفة أن تل أبيب طلبت من الدوحة ممارسة ضغوطها على رئيس السلطة، محمود عباس، ليُصدر أوامره إلى الأجهزة الأمنية بتعزيز أنشطتها بشكل رئيس في جنين ونابلس، على خلفية تزايد الهجمات في الضفة الغربية، ومنع أيّ هجمات ضدّ أهداف إسرائيلية. وبحسب الصحيفة نفسها، فإن مطالبة إسرائيل، قطر، التي عملت في السنوات الأخيرة لترسيخ مكانتها كوسيط بين الاحتلال والفلسطينيين، هي خطوة أخرى في محاولة الاحتلال التأثير على عباس لمنع التدهور الأمني. ويُعدّ تلويح العدو باقتحام شمال الضفة، أحد الصواعق الأكثر خطورةً، والذي يحتمل أن تصل شرارته إلى قطاع غزة، وربمّا تمتدّ إلى أبعد من حدود فلسطين، بخاصّة في ظلّ تأهُّب المقاومة في لبنان.

يُحتمل أن تتّسع دائرة الاشتباك لتشمل عناصر من حركة «فتح»


ويبقى المسجد الأقصى بؤرة الاهتمام والأحداث، على رغم حالة الاشتباك الممتدّة في الضفة الغربية، إذ يُعدّ من أقوى الصواعق لتفجير الأحداث، وأكثرها فاعليّة وتجريبّاً؛ فالمساس به فجّر «هبّة النفق» عام 1996، وفي عام 2000 انفجرت «انتفاضة الأقصى» عقب تدنيسه من قِبَل آرييل شارون، بينما خاضت المقاومة الفلسطينية حرباً في عام 2021 مع الاحتلال، دفاعاً عنه. ويواجه «الأقصى»، اليوم، تحدّياً جديداً قد يفجّر الأوضاع، في ظلّ دعوات المستوطنين إلى تنفيذ أكبر اقتحام في التاريخ يومَي 26 و27 أيلول الجاري، احتفالاً بما يسمّى «رأس السنة العبرية»، حيث تخطّط «جماعات الهيكل» إلى نفخ البوق عدّة مرات، بينما سيصادف 5 تشرين الأوّل «عيد الغفران» العبري، وفيه تتمّ محاكاة طقوس «قربان الغفران» في الحرم، ليعود اليهود ويحتفلوا بين 10 و17 تشرين الأوّل بـ«عيد العُرُش» التوراتي، الذي يحرص المستوطنون خلاله على إدخال القرابين النباتية إلى «الأقصى»، وهي أغصان الصفصاف وسعف النخيل وثمار الحمضيات وغيرها. وتسابق «جماعات الهيكل» الزمن لتنظيم أكبر اقتحامات لـ«الأقصى»، إذ قدّمت التماساً إلى «المحكمة العليا» في القدس المحتلّة، تطالب فيه بإلغاء أو تقليص الحظر المفروض على إدخال «الأشياء اليهودية المقدّسة» إلى داخل المسجد، والسماح بأداء بعض الصلوات التلمودية الممنوعة، وكذلك النفخ في البوق، بخاصة مع اقتراب «رأس السنة». وعلى ضوء هذا التصوّر، فإن المشهد في حال نَفّذ المستوطنون هذه السيناريوات في المسجد الأقصى خلال اقتحامهم، سيكون مفتوحاً على كل خيارات المواجهة، وسيؤجّج الأوضاع اشتعالاً، بخاصّة مع تزايد الدعوات الفلسطينية إلى شدّ الرحال إلى «الأقصى» والرباط فيه والتصدّي للمستوطنين، كما أن الأحداث فيه ستحظى بمتابعة فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة.
ويعيش الفلسطينيون في الضفة على وقْع صاعق آخر، بعد تحذير مؤسّسات الأسرى الفلسطينية، من استشهاد الأسير المصاب بالسرطان، ناصر أبو حميد، من مخيم الأمعري قرب رام الله، بعد وصوله إلى مرحلة الموت السريري جرّاء ممارسات الاحتلال في الإهمال الطبي بحقّه. ويُعدّ أبو حميد أحد قادة حركة «فتح» في سجون الاحتلال وخارجها، وهو معتقل منذ عام 2002، ومحكوم بالسجن المؤبد سبع مرات و50 عاماً بتهمة المشاركة في تأسيس «كتائب شهداء الأقصى» المحسوبة على «فتح»، وتنفيذ عمليات ضدّ الجيش الإسرائيلي، وله 5 أشقاء يقضون أيضاً عقوبة السجن مدى الحياة في سجون الاحتلال، وقد هدمت سلطات الاحتلال منزله مرات عدة. ومنذ الإعلان عن تدهور وضعه الصحّي واحتمالية إعلان استشهاده في أيّ لحظة، خرجت العديد من المسيرات في الضفة الغربية للمطالبة بالإفراج عنه لكي يقضي ساعاته الأخيرة مع والدته، بينما نظّم مسلّحون ينتمون إلى «شهداء الأقصى» في مدينة نابلس ومخيم الأمعري، وقفات ومسيرات على خلفية تدهور صحّة أبو حميد. وفي حال استشهاده، يحتمل أن تُنفَّذ عمليات انتقاماً له، أو أن تتّسع دائرة الاشتباك لتشمل عناصر من حركة «فتح».