عاد زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، إلى المأزق نفسه: إلى أين من هنا؟ فالحراك الذي أطلقه في الشارع قبل أسابيع قليلة وصل إلى طريق مسدود، وصار الوقت يلعب ضدّه، مع مرور الأيام من دون حصوله على أيّ مكسب يقدّمه إلى جمهوره، واتّضاح أنه لا يملك ما يؤهّله، لا في الحسابات العراقية ولا في الحسابات الشيعية، لحسم هكذا معركة، على رغم نجاحه في استثمار الشارع وتحقيق المزيد من الشعبية. في هذا الوقت، رُصدت، في الآونة الأخيرة، معالم تدخُّل من قِبَل الإمارات، التي استقبلت موفداً من الصدر، بهدف التحريض على رفض التسويات ومحاولة إثارة الفتنة في البلد


وصل مقتدى الصدر إلى طريق مسدود في التظاهرات التي نظّمها أنصاره في الشارع، وبلغت مداها من دون تحقيق أيّ مكسب يمكن أن يُترجَم في السياسة، فيما وصول «اللعبة» إلى حافّة الصدام اضطرّه إلى إلغاء «التظاهرة المليونية» التي كانت مقرَّرة السبت الماضي، خشية الاحتكاك مع جمهور «الإطار التنسيقي». ولن يضيف التلويح بـ«العصيان المدني» الكثير إلى ما سبقت تجربته من أدوات وأساليب لإجبار القوى الأخرى، سواءً داخل الصفّ الشيعي أو خارجه، على القبول بشروطه، إذ صار الوقت في غير مصلحة الصدر؛ بالنظر إلى أن سياسيّي «المكوّنات الأخرى»، ولا سيما السُّنّة والأكراد، يريدون الوصول إلى خاتمة للنزاع بين الأطراف الشيعية، تحْفظ حصصهم في التركيبة، ولا يناسبهم أساساً أيّ حل يستفرد الصدر بموجبه بحُكم البلد.
فضلاً عن ذلك، بدا في الآونة الأخيرة، أن رئيس حكومة تصريف الأعمال، مصطفى الكاظمي، الذي لعب في البداية دوراً في تحييد القوى الأمنية، مسهّلاً اجتياح الصدريين لمجلس النواب والاعتصام في داخله، أصيب بالخيبة نتيجة مقاطعة مقتدى جلسة الحوار التي ترأّسها هو في مقرّ رئاسة الحكومة الأسبوع الماضي، خاصة أن الصدر قبِل فقط بأن يستمرّ الكاظمي على رأس حكومة تصريف الأعمال حتى إجراء انتخابات مبكرة بعد عام، ولم يوافق على ترؤّسه الحكومة المقبلة التي يريد من خلالها زعيم «الصدري» تنفيذ برنامجه، بدليل أنه رشّح ابن عمه السفير الحالي في لندن، محمد جعفر الصدر، للمنصب، قبل أن يسحبه وينسحب معه من العملية السياسية بعد الفشل في تشكيل «حكومة غالبية». وتتعارض مساعي الصدر للاستفراد بالحُكم، مع رغبة الكاظمي في أن يكون هو مرشّح التسوية لرئاسة الحكومة الجديدة؛ إذ يأمل الأوّل في تحقيق انتصار كبير في الانتخابات يعطيه تفويضاً واسعاً، بعد أن تمكّن من استثمار زخم الشارع بشعارات محاربة الفساد. وهنا بالذات، لا يلعب الوقت لمصلحة الرجل، لأن جمهوره سوف يصيبه اليأس إذا لم يستطع تحقيق إنجاز له. ولذا، ما يمكن أن يحصل عليه الصدر إذا وافق على تسوية الآن، قد لا يحصل عليه لاحقاً، خصوصاً أن الموازين بدأت تعتدل نسبياً نتيجة استعادة «التنسيقي» تماسكه، وامتصاصه الموجة الأولى من ضغط الشارع، والعوامل الأخرى المُشار إليها آنفاً.

تَبرز معالم تدخّل من قِبَل الإمارات التي استقبلت موفداً من الصدر بهدف التحريض على رفض التسويات


هنا، تَبرز ثغرة في «التيار الصدري»، تتمثّل في مجموعة المستشارين المحيطين بزعيمه، وجُلّهم من الشيعة الذين كانوا في صفوف حزب «البعث»، ولجأوا إلى الصدر بعد سقوط نظام صدام حسين، على رغم وجود آخرين من الذين يتولّون إقناع «قائدهم» بالتحلّي بالواقعية والعودة إلى الخيارات الممكنة، لا المرتفعة السقف إلى الحدّ الذي لا يمكن تحقيقه، وعلى رأس هؤلاء كاظم العيساوي (أبو دعاء) الذي كان قد غادر التيّار في عام 2018، وأعاده الصدر ليكون معاونه المقرّب في العام التالي. كذلك، بدأت تَظهر معالم دخول إماراتي على خطّ الأزمة، عبر تحريض الصدر على عدم القبول بأيّ حل، وإقناعه بأنه يستطيع حسم المعركة لمصلحته. وتقول مصادر عراقية مطّلعة، في هذا الإطار، إن زعيم «الصدري» أرسل أخيراً موفداً إلى الإمارات، وحين أخذت عليه بعض الجهات العراقية ذلك، ردّ بأنكم «أنتم تذهبون إلى السعودية»، فقيل له «إننا إذا ذهبنا إلى السعودية، فلا نرهن قرارنا لها»، وهو ما يشي بدخول أزمة العراق في دائرة التنافس السعودي - الإماراتي، خاصة بعد استقبال ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، رئيس «تيار الحكمة»، عمار الحكيم، الأسبوع الماضي.
أيضاً، تدْخل ضمن «المشورة السيّئة» الآتية من البعثيين السابقين، محاولةُ دفع الصدر إلى طرح نفسه كمرجع ديني في العراق، وهو ما تستبعد المصادر إقدامه عليه، لخوفه من خطورة الأمر، خصوصاً أنه لم يكمل علومه الدينية بعد. وقد يفسّر ذلك محاولة الرجل مغازلة المرجعية، والإيحاء بأنها تتبنى شعاراته وتقف في صفّه. فوق كلّ ما تَقدّم، من الصعب تصوُّر نجاح الصدر في تحقيق شعاره «لا شرقية ولا غربية»، والذي يعني بمفهومه إزاحة أميركا وإيران معاً من العراق، باعتبار أنهما تتمتّعان بنفوذ واسع جدّاً فيه، لكن إذا كانت أيّ منهما لم تستطع شطب الأخرى من الساحة، فكيف لفصيل عراقي واحد، مهما كانت قوّته، أن يُخرجهما معاً منها؟ ثمّ ماذا لو تمّ التوصل إلى صفقة في فيينا تعيد الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي؟ وماذا إذا حصلت اتّفاقات كبرى بين السعودية وإيران؟ وجرى التوصّل إلى هدنة طويلة في اليمن؟
الصورة الآن في العراق، تفيد بأن مقتدى وحده يريد المُضيّ في حراكه حتى النهاية، فيما تسعى باقي القوى العراقية، بما فيها تلك التي تنتمي إلى «مكوّنات» أخرى، و«الإطار التنسيقي»، للتوصُّل إلى تسوية، وإذ لن يؤدّي الإمعان في التصعيد من خلال التلويح بخيارات مِن مِثل «العصيان المدني»، إلّا إلى توسيع الهوّة بين الصدر ومُعارضيه، فإن ما يجري يُثبت، مرّة أخرى، أنه لا حلّ ما لم يقتنع الصدر بالعودة إلى التوافق، مع السعي لتحسين شروطه، سواءً بالنسبة إلى حصّة تيّاره في الحُكم، أو بالنسبة إلى تحقيق الشعارات التي يطرحها. إلّا أنه حتى على مستوى الأهداف الأخرى التي يريد الرجل تحقيقها، مِن مِثل إضعاف خصومه على الساحة الشيعية، فقد لا يستطيع تحقيق الكثير، علماً أن إحدى غايات تطلُّعه إلى السيطرة على الحكومة هي القيام بحملة تطهير داخل الدولة تستهدف إضعاف النفوذ الذي راكمه رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، فيها، خلال ولايتَين في رئاسة الحكومة بين عامي 2006 و2014. ولربّما يكون الأخير أحد أهمّ العوائق أمام اقتناع الصدر بالذهاب إلى تسوية، لأن الأوّل يريد لها أن تكون على حساب الثاني، الذي يرفض ذلك. ولذا أيضاً، لم تُحقّق مبادرة رئيس «تحالف الفتح»، هادي العامري، أيّ تقدّم، ولا حتى مجرّد لقاء بين الأخير وزعيم «الصدري».