بغداد | هل وصل العراق إلى مرحلة الصراع الشيعي - الشيعي الذي جرى التحذير منه، منذ أن أفرزت الانتخابات التشريعية التي أجريت في تشرين الأول الماضي، فريقَين شيعيَين كبيرَين لكلّ منهما مشروعه، أم أن البلاد على عتبة تصعيد كبير للنزاع الذي يمكن أن يوصف بـ«الشخصي» بين زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، ومُنافسه رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، الذي ردّ على اقتحام مُناصري الأوّل «المنطقة الخضراء»، بالتجوّل بسلاحه هناك؟ «الصدريون» يميلون إلى وضْع ما حدث في إطار الرسالة التحذيرية أو «جرّة الأذن»، بهدف دفْع «الإطار التنسيقي» إلى سحْب ترشيح محمد شياع السوداني، المحسوب على المالكي، وتقديم خيار آخر مِن مِثل حيدر العبادي، أو الإبقاء على حكومة مصطفى الكاظمي حتى إجراء انتخابات جديدة، وفق ما قال مقرّبون من التيّار لـ«الأخبار». ويعني ذلك ترْك هامش للتفاوض، لا سيما وأن قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني، حطّ مجدّداً في العراق، وهو الذي يضطلع بأدوار توفيقية بين القوى الشيعية المختلفة، على رغم أن طهران تسعى لتخفيف تدخُّلها في الشأن الداخلي العراقي، وتركه للقوى المحلّية لتحلّ أمورها بنفسها، إلّا عندما تلوح في الأفق نُذُر فتنة.

ووصف الصدر، في تغريدة على «تويتر»، ما حدث بأنه «ثورة إصلاح ورفض للضيم والفساد»، قائلاً لمناصريه إن «رسالتكم وصلت، فعودوا إلى منازلكم سالمين». وفي بيان أكثر تفصيلاً أصدره باسمه، «وزير القائد» صالح محمد العراقي، قُدّمت التظاهرات بوصفها «رسالة عفوية إصلاحية شعبية رائعة»، مع تحذير من أن الصدر «لن يتدخّل مستقبلاً في التظاهرات (لإعادة المتظاهرين إلى منازلهم) إذا استمرّ الفاسدون في عنادهم». ويأتي التحرّك «الصدري» بعد أيام قليلة على ترشيح «الإطار التنسيقي»، بالإجماع، رئيس «تيّار الفراتين» لمنصب رئيس الوزراء، في محاولة لفتح العملية السياسية المسدودة منذ الانتخابات، إلّا أن «الصدريين» اعتبروا السوداني مرشّح المالكي، لكونه تولّى عدّة وزارات في حكومتَي الأخير ما بين 2006 و2014، على رغم أن الرجل غادر «حزب الدعوة» الذي يتزعّمه رئيس الوزراء الأسبق منذ سنوات. ورفع المتظاهرون المؤيّدون للصدر لافتات عليها صورة السوداني، تَعتبر ترشيحه استفزازاً للتيّار وتصفه بأنه «نفايات المالكي». وكان الأخير تلقّى ضربة نتيجة تسريب أشرطة نَسبت إليه هجومه على الصدر وعلى مختلف القيادة العراقية، ما أثّر بشكل كبير على إمكانية التعامل معه، على رغم نفيه أن تكون التسجيلات عائدة إليه واشتباهه بفبركتها لإثارة فتنة داخل العراق.
ويقول المحلّل السياسي المقرّب من «التيار الصدري»، مجاشع التميمي، لـ«الأخبار»، إن «قوى الإطار التنسيقي توهّمت حينما اعتقدت أنها تستطيع التمادي في استفزاز التيار الصدري»، مستدركاً بـ«(أنني) لا أعتقد أن كلّ قوى الإطار متوافقة في ما بينها على ذلك، إنّما بعضها المتطرّف هو من ورّط البقيّة». وأشار إلى أن «مقتدى الصدر في تغريدته اعتبر اقتحام المنطقة الخضراء جرّة أذن، ومعروف ماذا تعني جرّة الأذن في المجتمع العراقي»، مستنتجاً أن «الرسالة وصلت إلى قوى التنسيقي»، متوقّعاً أن «يعمد الإطار إمّا إلى سحب خيار محمد شياع السوداني واستبداله بشخصية ثانية، وربّما يلجأ في هذه الحالة إلى اختيار حيدر العبادي لِما لديه من علاقة طيبة مع الصدر، وإمّا أن يسمح لمصطفى الكاظمي بالبقاء لمدّة عام أو عامين، ثمّ يتمّ إجراء الانتخابات». ويشدّد التميمي على أن هذه الانتخابات «يجب أن لا تكون وفق قانون انتخابي إطاري، لأن أكثر ما يخشاه الصدر هو تلاعب قوى الإطار بقانون الانتخابات»، معتبراً أن «الصدر لديه خطّة، وسيمارس المزيد من الضغط على قوى التنسيقي إلى حين الامتثال لتوجيهات الكتلة الأكبر، حتى وإن انسحبت من البرلمان».

«الصدريون» يميلون إلى وضْع ما حدث في إطار الرسالة التحذيرية أو «جرّة الأذن»


وإلى ما قبل بدء التحرّك «الصدري»، كانت الأطراف الأخرى، الكردية والسُنّية، تتريّث في اتّخاذ موقف من ترشيح السوداني. وفي حين رفض ممثّلو «الحزب الديموقراطي الكردستاني» التعليق على الترشيح، يوضح السياسي المستقلّ وعضو «الحراك الشعبي للإصلاح»، محمد دحام، في حديث إلى «الأخبار»، أن «موقف المكوّن السُنّي من ترشيح السوداني منقسم»، متحدّثاً عن «تيّار مؤيّد متمثّل في تحالف عزم بقيادة مثنى السامرائي، والذي يشترط للموافقة حسم ملفّات المعتقلين والتعويضات للمناطق المحرَّرة»، مضيفاً أن «ثمّة اتجاهاً ثانياً متردّداً يمثّله تحالف تقدم بقيادة محمد الحلبوسي الذي يصارع للاحتفاظ بمنصب رئيس مجلس النواب، ويحتاج إلى ضمانات لإبقائه في المنصب مقابل التنازل عن حصّته في الوزارات». ويرى دحام أن «مزاج الشارع السُنّي لا يمانع ترشيح السوداني في حال إقرار الميزانية وحفظ الاستقرار وتعيين العاطلين من العاملين في الوظائف الحكومية».