تقف المقاومة في غزة الآن أمام اختبار صعب، إما أن تعلن أنها تدافع عن فلسطين كلها أو عن قطاع غزة فحسب. لا يمكن إنكار أن الظرف الموضوعي والإقليمي يصعّب على القادة الفلسطينيين خيار بدء المعركة ضد الاحتلال، كما لا يمكن إغفال أن القضية الفلسطينية تدحرجت من مستوى الانتفاضة الشعبية والمسلحة، إلى حالة ردود الفعل ثم «تهجم إسرائيل وندافع»، وأخيرا حالة «من يصل التهدئة أولا؟».


حتى لا يجري إنكار الجهود، فالمقاومة عملت منذ حرب عام 2012 على تطوير قدراتها بصورة تفاجئ الاحتلال. وتنقل مصادر مطلعة لـ«الأخبار» أن الاستنفار حاليًّا يجري على نخبة النخبة، أي إن هناك ملفات لا يعمل عليها إلا قلة قليلة، وباقي المقاومين منتشرون للدفاع عن الحدود البرية، وهو مستوى أمني لم تعهده الفصائل حتى الكبرى كـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي». أيضًا، تضيف تلك المصادر أن بدء أي معركة يعني «خروج الصواريخ إلى مدن فلسطين المحتلة كلها»، وما هم إلا بانتظار اللحظة الصفر.
الصادم أن «حماس» قررت أنها لن تبدأ المعركة، وهذا ما بدا جليًّا خلال اتصال «الأخبار» بمكتب المتحدث باسم جناحها العسكري كتائب القسام، أبو عبيدة. كشف المكتب الإعلامي أن هناك وساطات من أجل التهدئة، لكنه لم يحدد، أو يرغب في التصريح، بكون الوساطة مصرية أم لا، برغم إشارة القيادي سامي أبو زهري وآخرين إلى أنها من القاهرة. أما مطلب «حماس» من أجل التهدئة، فهو «الهدوء في كل الجبهات (القدس والضفة وغزة) مقابل الهدوء في القطاع»، هكذا كان مستوى الرد على التهديد الإسرائيلي اتجاه المقاومة الذي حمل خيارين إما التهدئة خلال 48 ساعة (منذ الأمس)، أو توجيه ضربة قوية!
ما يلفت في حديث «القسام» أنه يطالب بالتهدئة في جميع الجبهات، على خلاف دعوة «حماس» الواضحة والصريحة عبر الإعلام إلى إشعال الانتفاضة في كل من الضفة والقدس. وزاد المكتب في تصريحه بالقول إن قرار إطلاق الصواريخ على الأراضي المحتلة مرهون بالتوسع الإسرائيلي بعدوانه في غزة، مع تقديرهم أن ما تفعله إسرائيل الآن هو إيصال رسائل إلى الفصائل باستهدافها المواقع الخالية فقط.
كل هذا يشعر المتابع بأن القضية صارت كالتالي: لا مانع لدى «حماس» من اشتعال الضفة، لأن المسيطر على الساحة هناك هي حركة «فتح» برئاسة محمود عباس صاحب التنسيق الأمني، ولا مانع أيضا لدى عباس «المختفي» في سلسلة اجتماعات المنظمة والسلطة الطارئة والمتواصلة، في اشتعال ساحة غزة التي تسيطر عليها غريمته، وهي أيضًا تطالبه بالراتب وتهدده بالعودة إلى حكم القطاع قريبًا!
جاءت القدس المحتلة التي تقع خارج سيطرة وسلطة كل من التنظيمين لتكشف ظهر الموقف السياسي. هناك اشتعلت فعلًا حالة انتفاضة شعبية خالية من السيطرة التنظيمية والقرار السياسي، موقف أهالي المدينة المتروكين منذ سنوات بين مطحنة التهويد الاحتلالي والإهمال الفلسطيني وضع الأطراف كافة في موقف حرج، كما كشف سقف الطرفين (حماس، وفتح) في الرد على الاحتلال ورفض «تجزئة النضال الفلسطيني».

«حماس» ترى
أن إسرائيل تحصرها
في الزاوية وتختار لها موعد الحرب

حتى كتابة هذه الحروف، لم يجرؤ «أبو مازن» على إعلان موقف واضح سوى الاستنكار، وعمليًّا لم يقدم على أي خطوة على المستوى الدولي، سوى المناشدة بعيدًا عن التقدم إلى المحاكم الدولية، وهي أقل الضررين بين الجلوس والتحرك. حتى «حماس» لم يظهر لها موقف عملي بشأن القدس، سوى الشد على أيدي أهالي المدينة المحتلة وبعض مسيرات التأييد في القطاع، وبقي سلاحها مرهونا بالواقع الميداني في غزة! أما لجهة «الجهاد الإسلامي» وباقي الفصائل، فهي إما تحترم غرفة العمليات المشتركة مع «حماس»، وإما أنها لا تستطيع منفردة، إعلان الحرب أو رد الفعل، أو لا ترغب في ذلك. يهمّ الإشارة إلى الارتباك الذي حدث بعد نشر خبر عن «تنصل رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل من عملية الخليل خلال اتصاله مع وزير خارجية تركيا أحمد داود أوغلو»، ثم نفْي الحركة هذا الخبر دون إنكار الاتصال. بغض النظر عن فحوى الاتصال الحقيقي، فإن الحركة لم تتبنّ العملية رسميًّا حتى بعد اكتشاف أن المستوطنين الثلاثة قتلوا، وبرغم ارتباط اللذين يتهمهما الاحتلال بـ«حماس»، وهو ما يمكن ربطه بخوف قيادة الحركة التي تقيم في الدوحة حاليا، من حرب إسرائيلية تحت هذه الذريعة، أو خوفًا من أن تحسب نقطة عليها من طرف عباس.
كذلك ترى «حماس» أن «الاحتلال يحشرها في الزاوية عبر إرباكها والحد من تقدمها»، لذلك ليس من مصلحتها «خوض حرب اختار العدو وقتها»، مشيرة إلى أن تل أبيب تعمل على خط مواز «لإعادة إنتاج سلطة جديدة وفق التزامات أمنية تجعل من رام الله وكيلاً أمنياً للاحتلال».
لا داعي إلى شرح تراتبية التنظيم في «حماس»، وهرمية القرار، ما يؤكد أن «القسام» لن تخطو أي خطوة إلا بأمر سياسي واضح. لدى سؤال «الأخبار» مكتب «القسام» عن تقديرهم لسبب تأخير الاحتلال شن الحرب، قال إن إسرائيل لا تملك بنك أهداف حقيقيا في القطاع، «وإلا لما انتظرت دقيقة لتسكت قطعان المستوطنين والشعب الإسرائيلي المتعطش للدماء».
لا شك أن المفارقة كانت بين معرفة الإسرائيليين الحدود التي تستفز المقاومة لرد كبير، فاقتصروا على ضرب المواقع الخالية، وإما أنهم فعلا عاجزون عن الوصول إلى «صيد ثمين» لافتتاح جولة، أو أنهم لا يرغبون في فتح جبهة غزة في ظل «مفاجأة الأحداث في القدس»، التي لم تهدأ بعد، فيما تعيش المقاومة الاختبار أمام التاريخ... ودماء الشهداء.