بدلا من اطلاق مواقف تتوعد بالثأر والانتقام من الصليات الصاروخية التي نفذتها فصائل المقاومة في اليومين الاخيرين، انسجاما مع الوعيد الذي اطلقه بعد العثور على جثث المستوطنين، أجمل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، خلال حفل في بيت السفير الاميركي في مدينة هرتسيليا بمناسبة يوم الاستقلال الاميركي، القرارات التي جرى التوصل اليها خلال المجلس الوزاري أمس بالقول إن الإسرائيليين «جاهزون لاحتمالين في الجنوب.


الاول، توقف اطلاق الصواريخ باتجاه مستوطناتنا، وفي المقابل نوقف نشاطاتنا، وبالتالي استئناف الهدوء الذي كان سائدا منذ عملية «عمود السحاب». والاحتمال الثاني، أن تعمل القوات الاسرائيلية الموجودة في الجنوب بكل قوة»، مشددا على أمن «المواطنين الاسرائيليين قبل اي شيء آخر».
وفي ما يتعلق بالوعود التي اطلقها قبل ايام، رأى نتنياهو أن «حماس دفعت ثمنا كبيرا، عبر اعتقال المئات من نشطائها، واغلقنا كل مؤسساتها، وفعلنا الكثير من الامور»، وذلك بالرغم من أن موقف نتنياهو الذي توعد من خلاله بتدفيع حماس ثمنا كبيرا، جاء بعدما نفذت اسرائيل اعتقالاتها، وبعد ما قامت به من اغلاق للمؤسسات.
ويلاحظ من موقف نتنياهو، ومن ورائه المجلس الوزاري المصغر، حرص اسرائيل على اجتراح مخرج يجنبها الاضطرار الى الخروج في عملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، يتعارض مع الاصوات التي ارتفعت في تل ابيب، بمن فيهم نتنياهو نفسه، والتي تدعو الى الثأر والانتقام بعد العثور على جثث المستوطنين الثلاثة.
ويبدو أن اسرائيل رأت في عودة الهدوء الى المستوطنات في أعقاب توجيه تحذير معلن مقرون بحشود عسكرية تحدثت عنها التقارير الاعلامية الاسرائيلية، تسمح للدولة العبرية بتسويق صورة كما لو أنها عززت قوة ردعها في مقابل فصائل المقاومة في قطاع غزة، انطلاقا من أن هذا الهدوء أتى بعد تحذير وتهديد وجهته القيادة الاسرائيلية. وهكذا تكون تل ابيب، وفق هذا المنطق، قد توصلت الى الهدف المنشود، المعلن، من دون خوض غمار مواجهة واسعة قد لا يكون بالامكان ضبط مجرياتها وحدودها.
في المقابل، صحيح أن القدرات العسكرية الاسرائيلية على التدمير وارتكاب المجازر، أكبر من أن تقاس بما هو متوافر لدى فصائل المقاومة، لكن ذلك، لا يلغي حقيقة أن من العوامل التي ساهمت في كبح اسرائيل عن المبادرة، والبحث عن خيار بديل يجنبها المواجهة العسكرية، يعود الى عدم ضمانها تجنب سيناريو تعرض جبهتها الداخلية، وتحديدا منطقة غوش دان، لصواريخ المقاومة، ردا على اي عدوان واسع تشنه. وهو ما يمكن أن يكون حاضرا في خلفيات توصية المؤسسة العسكرية بالتزام الردود المعتدلة في هذه المرحلة.
وفي ظل الموقف الاميركي والدولي الداعي الى تجنب خيار المواجهة الواسعة، يمكن القول إنه في حال تحقق سيناريو تدحرج التطورات الميدانية، لسبب أو لآخر، نحو مواجهة واسعة، فإن الموقف الاسرائيلي المعلن، حول وضع «حماس» بين معادلة الهدوء مقابل الهدوء، او الرد بشدة الذي قد يتخذ منحى تصاعديا، يخدم سياسة تل ابيب الدعائية، التي يبدو أنها تحرص في هذه المرحلة، على ألا تبدو بنظر الداخل الاسرائيلي والخارج الدولي، كمن بادر اليها ابتداء، بل ذهب اليها مضطرا. وبعبارة أخرى تكون اسرائيل قد انتزعت مشروعية دولية، لاعتداءات واسعة، بعدما بدا أنها استنفدت كافة الوسائل الاخرى.
من جهة اخرى، ينبغي عدم اغفال حقيقة حضور مفاعيل استشهاد الفتى المقدسي محمد أبو خضير، وما أعقبه من غليان في الشارع الفلسطيني، على طاولة صناع القرار في تل أبيب، التي رفعت مستوى المخاوف لدى القيادة الإسرائيلية، من أن يؤدي التصعيد في غزة إلى توسيع دائرة الاحتجاجات في الضفة الغربية، التي قد تخرج عن السيطرة.
وذكرت تقارير إسرائيلية أن المجلس الوزاري المصغر قرر في ختام الجلسة الرابعة منذ العثور على جثث المستوطنين، التي عقدت مساء امس «الامتناع عن المبادرة إلى شن عملية عسكرية في غزة في حال الحفاظ على الهدوء»، وتوجيه رسالة واضحة الى حماس، عبر مصدر مصري، أنه «إذا لم يتوقف اطلاق الصواريخ في الـ 24 ساعة المقبلة، فإن اسرائيل ستعمل عسكريا في غزة مع كل ما يعني ذلك من معان».
وذكر المعلق العسكري في «هآرتس» عاموس هرئيل، انه «ما زال على جدول الاعمال، كما هو دائما، امكان استئناف الاغتيالات في قطاع غزة. وإذا جرت الموافقة على هذا المسار، فسيؤدي حتما الى جولة من «الاشتباك» مع حماس، التي ستشمل اطلاق صواريخ باتجاه غوش دان».
ولفت هرئيل الى انه «في الاسابيع الثلاثة الاخيرة، منذ عملية اسر المستوطنين، كانت اسرائيل ترد بحذر، وخاصة عندما اختارت على نحو عام، مواقع خالية من الاشخاص، لاستهدافها، وامتنعت عن تنفيذ هجمات تستهدف قلب المنظومة العسكرية لحماس». واضاف هرئيل أنه «بالرغم من التقدير الاستخباري الاسرائيلي بأن حماس لا تريد التصعيد، لكنها هذا الاسبوع بدأت ادارة لعبة مزدوجة».
الى ذلك، تحدثت تقارير إسرائيلية عن حشود عسكرية في مقابل القطاع. وقال مصدر عسكري اسرائيلي رفيع إن هدف الجيش «المحافظة على الهدوء على قاعدة الهدوء مقابل الهدوء»، وتوجيه رسالة إلى حركة «حماس» مفادها بأن «الجيش جاهز لكل الخيارات إذا اختارت الحركة الرد بغير الهدوء»، مضيفاً: «ما نفعله هو خطوات دفاعية إلى جانب تسريع عملية الاستعداد».