بعد بضعة أيام من عقْد وزراء الخارجية العرب لقاءً تحضيرياً لقمّة الجزائر غابت عنه سوريا، جاءت احتفالات الجزائر بعيد الاستقلال بمثابة محطّة مهمّة بالنسبة للديبلوماسية السورية التي بدأت قبل أكثر من عام العمل على تعزيز الانفتاح على المحيط العربي. وتَكلّل هذا العمل بسلسلة لقاءات عقَدها وزير الخارجية، فيصل المقداد، في واشنطن في شهر أيلول من العام الفائت، على هامش الدورة الـ76 للجمعية العامة للأمم المتحدة، لتُشكِّل «جولة واشنطن» تلك حجر أساس ارتكزت عليه التحرّكات السورية في المحيط العربي، بُعيد فوز الرئيس بشار الأسد بفترة رئاسية جديدة، الأمر الذي رسم معالم مرحلة جديدة بدأت تعود فيها العلاقات السورية - العربية بشكل تدريجي.

ووسط هذه الظروف، جاءت دعوة الجزائر، الوزير السوري، إلى المشاركة في احتفالات الاستقلال، والتي حضرها أيضاً عدد كبير من الديبلوماسيين ورؤساء بعض الدول العربية والأجنبية، بينهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والرئيس التونسي قيس سعيد، الذي التقاه المقداد على هامش الفعالية، حيث حمّله الأوّل تحيّاته إلى الأسد، معتبراً أن «الإنجازات التي حقّقتها سوريا، وكذلك الخطوات التي حقّقها الشعب التونسي ضدّ قوى الظلام والتخلّف تتكامل مع بعضها البعض، لتحقيق الأهداف المشتركة للشعبَين الشقيقَين في سوريا وتونس»، وفق بيان وزّعته الخارجية السورية.
اللقاء الجانبي بين الرئيس التونسي والوزير السوري، وعلى الرغم من كونه مقتضباً، أعاد التذكير بالعلاقات السورية - التونسية، والتي مرّت بمنعرجات عديدة بعد إسقاط نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وما تلاه من صعود لتيار «الإخوان المسلمين» (حركة النهضة) في البلاد، حيث قطعت تونس علاقتها بسوريا، وأبقت على القسم القنصلي الخاص بتسيير شؤون السوريين. ولم تَعُد العلاقات بشكل جزئي إلّا بعد سلسلة زيارات قام بها مسؤولون تونسيون إلى دمشق، مع تولّي محمد الباجي قائد السبسي حُكم تونس بين عامَي 2015 و 2019، خصوصاً في ظلّ سعْي البلاد آنذاك لتتبُّع «الجهاديين» العائدين من سوريا، الأمر الذي أدّى إلى تمتين العلاقات الأمنية بين البلدين، وتبعه دعم واضح من دمشق للرئيس الحالي قيس سعيد، بعد تعرُّض البلاد لاضطرابات سياسية قام على إثرها الأخير بتجميد عمل البرلمان وإقالة الحكومة.

ترسم الزيارة ملامح المرحلة التي وصلت إليها الجهود المبذولة لإعادة سوريا إلى لَعِب دورها الطبيعي


وتُعتبر الجزائر، إلى جانب الإمارات وسلطنة عُمان، أبرز الدول الداعمة لعودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة العربية، في حين تقود قطر التيّار المعارض، وسط حالة تردُّد سعودية متعلّقة بمخاوف من الوجود الإيراني في هذا البلد، في وقت يَظهر فيه الموقف المصري أكثر هدوءاً، عبر الدفع في اتّجاه إعادة دمشق إلى الجامعة، من دون الخوض في مواجهات سياسية أو استدراج ضغوط أميركية، في ظلّ تكثيف واشنطن ضغوطها على الدول التي بادرت إلى الانفتاح على دمشق. وأثار ذلك الهدوء المصري تكهّنات عديدة حول حقيقة موقف القاهرة، خصوصاً بعد تناقُل أخبار حول رفض مصري لعودة دمشق نتيجة ضغوط سعودية، الأمر الذي اعتبرته مصادر سورية في حديث إلى «الأخبار»، مجرّد «دعاية قطرية تهدف إلى التشويش على الجهود العربية الحالية لإعادة إحياء العلاقات السورية مع بعض الدول العربية». وأشارت المصادر إلى أن «علاقة سوريا بمصر متشعّبة وعلى مستويات عدّة: شعبية وأمنية وعسكرية وسياسية، حيث حافظ البلدان على علاقتهما الأمنية والعسكرية، حتى خلال عهد الرئيس المصري السابق، محمد مرسي، التابع لجماعة الإخوان المسلمين، والذي صعّد بشكل كبير ضدّ دمشق، وقدّم دعماً مباشراً لبعض الجماعات المسلحة، لتعود العلاقات السياسية إلى الهدوء مرّة أخرى بعد إزاحته وتولّي الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، زمام الأمور».
وترسم زيارة المقداد إلى الجزائر ملامح المرحلة التي وصلت إليها الجهود المبذولة لإعادة سوريا إلى لَعِب دورها الطبيعي، بعد عودة العلاقات بين دمشق ومعظم العواصم العربية، سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر، وفق تصريحات سابقة عديدة للوزير السوري، وهو ما يبدو أن الجزائر حرصت على تثبيته عبر دعوة المقداد والاحتفاء به، بالإضافة إلى محاولة استثمار وجوده في تذليل العقبات أمام مشاركة سوريا في القمّة العربية، وفق ما دعا إليه مجدّداً وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، خلال مشاركته في اللقاء التشاوري لوزراء الخارجية العرب في بيروت قبل أيام. وتسود توقُّعات بأن تكثّف الجزائر والإمارات، وحتى روسيا التي تدفع في الاتّجاه نفسه، تحرّكاتها خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، في محاولة لإيجاد توافقات تتيح دعوة سوريا إلى القمة، الأمر الذي ما زال محطّ شكوك عديدة في ظلّ الضغوط المتزايدة التي تفرضها واشنطن من جهة، وتمارسها الدوحة من جهة أخرى.