حيفا | ضمن سياسة استغلال الأحداث الكثيرة والمتداخلة للتغطية على مشاريع خطيرة، فاجأت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، قبل مدة ليست بالبعيدة، بقرارها إلغاء تدريس مادة النحو من المناهج الدراسية للمرحلتين الإعدادية والثانوية، ووضع بديل سمته الوزارة «المبدأ الوظيفي في تدريس النحو»، وقالت إنه يتيح للطالب فهم التراكيب والوظائف النحوية انطلاقا من فهمه النص. مع أن القرار أثار ردودًا واسعة أجمعت على رفضه، فإن الوزارة الإسرائيلية لا ترغب في إعادة النظر في قرارها، وخاصة بعدما ردت ببيان مطول شرحت فيه أسباب اتخاذها القرار، وأبرزها «تجسير الفجوة بين اللغة وأبنائها في زمن التكنولوجيا وانفجار المعلومات».


شرائح متنوعة من الفلسطينيين، ومنهم معلمون وأولياء أمور، أعربوا لـ«الأخبار» عن رفضهم القرار «لأنه محاولة خفيّة لسلخ الطالب عن لغته ثم انتمائه وقضيته». وطالبوا بأوسع احتجاج ممكن لإجبار الوزارة على العدول عن قرارها، الذي وُوفق عليه رسميًّا. ويترافق القرار مع معاناة الطلاب والمتخرجين في الأراضي المحتلة ضعفًا واضحًا في مبحث النحو والإعراب، وفق اعتراف متخصصين، أشاروا إلى أن الضعف المذكور يزيد على معدلاته في الضفة المحتلة أو قطاع غزة، لذلك يشددون على أن المطلوب تعزيز مادة النحو في المنهاج لتقوية الطلبة، بدلًا من إلغائها أو استبدالها «تحت قناع التجديد والهوة التكنولوجية». كذلك يرى متخصصون ممن استطلعت «الأخبار» آراءهم أن الهوة التكنولوجية التي تتحدث عنها إسرائيل لا تعالج بإلغاء المنهاج، بل بتحديثه.
«إزاء هذا الوضع يجب البحث عن سبل لتعزيز انتماء الطلبة إلى لغتهم وقواعدها»، يقول مراد علي، وهو أحد معلمي العربية من مدينة عكا. يضيف علي: «الطلاب يستصعبون مادة النحو مع أنها مقررة في المنهاج، ولها كتب خاصة، فما بالنا حين إلغائها؟». وتخوف في حديثه لـ«الأخبار» من أن متخرّج الثانوية العامة في أراضي الـ48 لن يستطيع بعد سنوات تركيب جملة سليمة.
هذا التبنؤ يرى آخرون أنه حقيقة قائمة منذ سنوات، مستدلين بأن كثيرين من المتعلمين يجهلون أبسط قواعد اللغة، ويقعون في أخطاء لا تناسب مستواهم. هنا، يلفت أحد مديري المدارس المتقاعدين من عكا ويدعى إبراهيم شحادة، إلى أن الطلاب مرتاحون لقرار الوزارة «لأنهم يرون القواعد والنحو من أصعب المواد المقررة في منهاج اللغة دون إدراكهم مخاطر ما تصار إليه الأمور». ويشرح شحادة لـ«الأخبار»: «بينما تكون علاماتهم في مقررات الأدب والتعبير مرتفعة نسبيا، فإنها منخفضة في النحو، لذا يرى بعضهم أن إلغاء القواعد سيكون فرصة لهم للحصول على علامات مرتفعة».


الضعف في اللغة
لدى فلسطينيي 48 أعلى من الضفة وغزة

الرأي نفسه يعبر عنه الطالب سامر خوري، من شفا عمرو، بالقول: «القواعد مقبرة العلامات»، شارحًا أن أسباب حصوله على علامة منخفضة في العربية يعود إلى تدني علامته في مادة النحو. مع ذلك لم تخل آراء الطلاب من الرفض للقرار الإسرائيلي، معبرين عن شعورهم بأنه موجه ضد لغتهم وانتمائهم. مع أنهم أقروا بصعوبة النحو والقواعد، فإنهم أبدوا رغبتهم في إيجاد حلول لتحسين مستواهم «دون المس بلغتنا».
لا يبدو أن القضية فرضت نفسها على أجندة السياسيين والنواب العرب في الكنيست الإسرائيلي، في ظل ازدحامها بملفات أخرى، لكن عضو الكنيست العربي عن الجبهة والحزب الشيوعي، محمد بركة، أشار إلى القرار في تصريحات صحافية. بعد ذكره قضايا الأرض والمسكن والصحة وعد بأنه سيعالج قضية مادة النحو بتركيز أكثر.
أما الموقف البارز، فقدمه النائب في الكنيست عن القائمة العربية الموحدة مسعود غنايم، حين طلب استجواب وزير المعارف الإسرائيلي. لكن الأخير رد: «هذا القرار لا يعني إلغاء تدريس قواعد العربية، بل تطويرها». وأضاف الوزير: «من وضع المنهاج الجديد هم مفتشون وأكاديميون عرب بالتعاون مع مجمع اللغة العربية في حيفا». كلام الوزير الإسرائيلي يلقي الضوء على نقطة حساسة، هي أن معظم المدرسين الذين تحدثوا لـ«الأخبار» أنكروا صحة الحديث السابق، لكن جزءًا منهم رفض التصريح بأسمائهم «خوفًا من المفتشين والجهات العليا».
الصوت الأكاديمي الأكثر جرأة في النقد جاء من د. محمد خليل، وهو من أحد الأكاديميين المعروفين في فلسطين، وكان من أوائل من حذروا من القرار. وقال خليل: «القضية بوضوح هدفها استغناء المدرسة استغناء تاما عن كتاب القواعد العربية، وفرض نهج بديل تدرس فيه القواعد على عفو الخاطر»، لكنه لم يستغرب صدور ذلك «القرار المجحف عن المؤسسة الرسمية» بقدر ما استهجن «أن يكون من بين أعضاء اللجنة المقرّرة للمنهاج الجديد عرب فلسطينيون»، وهو سبب آخر ذكره من رفض من المعلمين التصريح لـ«الأخبار».
لا يقتصر القرار بتأثيراته على المدارس، وذلك على ضوء الحملة الإسرائيلية في عبرنة أسماء المعالم الفلسطينية (تحويلها إلى العبرية). في مقابل ذلك تنشط الدعوات إلى إقامة حملات ترمي إلى ترويج الأسماء العربية وإبقائها حية، «لكن ما فائدة ذلك إذا جرى تجهيل أبنائنا بأساس اللغة وشريانها الذي يمدها بالحياة؟»، يقول مروان برية، وهو طالب جامعي يدرس العربية. ويلتقي برية مع ما يقوله سابقه في تأكيد أن «أي تقويض لركن أساسي في البناء قد يؤدي إلى هدمه كله، وهذا ينطبق على مادة القواعد وعلاقتها باللغة عموما».
برغم ردود الفعل الكبيرة على القرار، فإن ما يجري في مصادرة الأرض ينسحب أيضا على نهب اللغة. العملية تعيد إنتاج نفسها على المراحل نفسها: قرار المصادرة، فالبيانات الاستنكارية، والمزيد من البيانات. بعد ذلك يأتي تنفيذ المصادرة، ثم ينسحب كل حزب إلى موقعه الأول، وقد سجل موقفًا يدافع به عن نفسه أمام المزاودين. هنا ينطبق قول الأعرابي «أوسعتهم شتما وأودوا بالابل»، لكن خسارة الأرض واللغة لا تقارن بخسارة الإبل.