غزة | أثار افتتاح محكمة الأحداث في قطاع غزة ارتياحاً كبيراً لدى منظمات حقوق الإنسان والطفل في الأراضي الفلسطينية بعدما كان غيابها خرقاً لقانون الأحداث لسنة 1937 الذي ينص على محاكمة الأحداث في محكمة خاصة. هذه الخطوة نفذتها الإدارة العامة للرعاية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية، بمشاركة النيابة العامة ومجلس القضاء الأعلى، وكلها جهات محسوبة على حكومة «حماس» السابقة مع تسجيل حضور للمركز الفلسطيني للديموقراطية وحل النزاعات.


اللافت أن وزير العدل في حكومة التوافق، سليم السقا، غاب عن جلسة الإعلان عن المحكمة، ما أعطى مؤشراً على أن جزءاً مهماً وكبيراً من المؤسسات الرسمية في غزة لا يزال يعمل بعيداً عن «التوافق».
هذه المحكمة كانت مغلقة في زمن الانقسام الداخلي منذ عام 2007، كما لم يعيّن لها قاضٍ حتى اللحظة، لكن الحاجة إليها فرضت إنشاءها الآن، في وقت تزداد فيه أعداد الأطفال الأحداث في القطاع على مختلف جرائمهم، وهو ما ربطه بعض المتخصصين بالحالة الاقتصادية المتردية جراء الحصار الإسرائيلي.
«الأخبار» حصلت على نسخة من إحصاءات قدمتها مؤسسة الربيع لرعاية الأحداث في غزة، وتفيد بأن عدد الموقوفين من الأطفال (أقل من 18 عاماً) داخل المؤسسة غير ثابت، لكن المؤشرات تذهب في اتجاه ارتفاعه عن الأعوام الماضية. وبلغ عدد الموقوفين خلال عام 2012 حوالى 819 حدثاً، فيما كان عددهم في العام المنصرم 869 حدثاً، لكن لم يتسنّ الحصول على عدد الموقوفين منذ مطلع العام الجاري حتى الآن. وفقاً للبيانات نفسها، فإن الأحداث الموقوفين تركزوا في مدينة غزة وكانوا في فئتهم العمرية (13-15)، ومعظم أولياء أمورهم عاطلون من العمل. كذلك تشير الإحصائية إلى أن معدل جريمة السرقة كان الأعلى من بين التهم الموجهة لهم، يليها الاعتداء، ثم السطو.
يقول مدير مؤسسة «الربيع»، معتز دغمش، إن افتتاح المحكمة «خطوة في الاتجاه الصحيح على صعيد عدالة الأحداث»، مشيراً إلى ضمان الحكمة تطبيق القانون المتعلق بالأحداث والحفاظ على خصوصيتهم. وأوضح لـ«الأخبار» أن المحكمة لا تزال دون قاض، لكنهم تلقوا وعداً من رئيس مجلس القضاء الأعلى في غزة بالإسراع في تعيين قاض. وفضّل دغمش ألا يجيب عن سؤال «الأخبار» المتعلق بغياب وزير العدل الجديد عن افتتاح المحكمة.


غاب وزير العدل
في حكومة التوافق عن جلسة افتتاح المحكمة
في وقت سابق، كان الأمين العام للمجلس التشريعي في غزة، نافذ المدهون، قد شدد على الحاجة إلى إقامة محكمة الأحداث في غزة وفقاً للمعايير الدولية الثلاثة (نظام المحكمة، البحث الاجتماعي ومراقبة السلوك). وشدد المدهون، في سياق ورشة عمل قدمتها جامعة الأمة، على أهمية توافر أهل الاختصاص من كلا الجنسين في هذه المحكمة، «ومن التخصصات القانونية والاجتماعية والإنسانية»، مبيناً أهمية إنشاء مكتب لدراسة الشخصية يشرف عليه كادر متخصص من القانونيين والاختصاصيين الاجتماعيين «من أجل إعداد برامج إصلاحية خاصة بالأحداث».
على المستوى الحقوقي، أعرب مدير المركز الفلسطيني للديموقراطية وحل النزاعات، إياد أبو حجير، عن الرضى بافتتاح المحكمة «لأن ذلك محطة من محطات تثبيت أركان القانون المتعلق بالأحداث في القطاع». ولفت في سياق حديثه إلى «الأخبار» إلى أن الحصار المفروض على غزة، وما ترتب عليه من تفاقم نسبتي الفقر والبطالة، أثر سلباً على الأسر الفلسطينية عموماً والأطفال خصوصاً، مؤكداً أن إغلاق المعابر وفقدان مصادر الرزق دفعا بعض أرباب الأسر إلى إجبار أبنائهم على التسول، «ما يجعلهم يصبحون أكثر عرضة للاستغلال».
وقال أبو حجير: «مبرر وجود المحكمة الحفاظ على الطفل من الإيذاء النفسي والاجتماعي المتولد عن عرضه على المحاكم المخصصة للكبار»، ملمحاً في الوقت نفسه إلى أن من شأن محكمة الأحداث اختزال وقت طويل كان يقضيه الأطفال الموقوفون داخل مؤسسة الربيع، في انتظار قضاياهم عبر المحاكم العادية.
وأشاد مدير المركز الذي يتولى مسؤولية التنسيق مع الجهات الرسمية القائمة على رعاية الأطفال الأحداث، بالدور الذي بذلته وزارة الشؤون الاجتماعية والنيابة العامة «وكذلك جهاز الشرطة في غزة من أجل استكمال منظومة العمل القانونية المتعلقة بهؤلاء الأطفال»، لكنه نفى في الوقت نفسه أن تكون هناك عوامل سياسية غيّبت وزير العدل الحالي عن حضور الافتتاح، قائلاً: «قطعاً لم يكن هناك سبب سياسي، فالإجراءات كانت معدة سلفاً قبل تشكيل حكومة التوافق».
أما وكيل الشؤون الاجتماعية، يوسف إبراهيم، فقال خلال الافتتاح إن وجود المحكمة خطوة تساند الحدث الذي أصبح مخالفاً للقانون، «فبدلاً من تركه يمارس حالة إفساد نتيجة ظروف معينة تعرض لها والتعامل معه كأنه مجرم مع الموقوفين، تأتي المحكمة لتولي قضيته مباشرة». ولفت إبراهيم إلى أن المحكمة لن تأخذ العمل من الناحية القانونية فقط، «بل سيكون لها دور في تعديل السلوك بالتعاون مع المؤسسة الشرطية والمؤسسات الأهلية حتى لا يبقى الصغير الذي ارتكب ذنباً داخل مجتمع السجناء والموقوفين».
يذكر أن خطوة المحكمة ترافقت مع تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني، رامي الحمدالله، التي أعقبت لقاءه قبل أيام مع رئيس مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ماثياس بيلكية، وشدد فيها على ضرورة إلغاء أحكام الإعدام في غزة، وخاصة بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.