غزة | لم تحسم بعد سيطرة حكومة التوافق، أو مساهمتها الكلية، في حل ملفات قطاع غزة المتراكمة، ولا يمكن كذلك نسيان الحصار الممتد منذ ثماني سنوات، وما يعنيه ذلك على المستوى الاقتصادي والإنساني في حياة الغزيّين. اليوم يمر القطاع بكارثة غير مسبوقة، فنسبة تلوث بحره تتجه إلى أرقام كبيرة تعني في مدلولاتها حدوث كارثة طبيعية حقيقية. يأتي هذا بعدما حذرت سلطة جودة البيئة من أن نسبة تلوث بحر مدينة غزة صارت ما بين 80% إلى 90%، في حين أن نسبة 55% من التلوث هي أقل ما يمكن أن يوحد في باقي المحافظات.


البحر في غزة يعني لأهله الكثير، فهو المتنفس الوحيد الذي يلجأ إليه الفقراء والأغنياء على حد سواء، وهم على مدار أعوام ماضية لم يتعاملوا بجدية مع الحديث عن ارتفاع نسب التلوث، إلى أن لامست الأرقام سقفاً عالياً. كما لا يهدد ذلك فقط حياة البشر بما من أمراض في مياه الصرف الصحي الذي صار هو البحر، فهو أيضاً ينذر بالخطر على الثروة السمكية.
كيف حدث ذلك؟ يروي مدير دائرة التوعية البيئية في سلطة جودة البيئة، أحمد حلس، أنه يومياً تصب حوالى 22 مضخة مركزية وغير مركزية على طول شاطئ قطاع غزة، وتصدر إليه مياه عادمة تقدر بنحو 120 ألف كوب متر، وهي تعادل 120 مليون ليتر من الصرف الصحي؛ جزء قليل منها معالج جزئياً، والباقي غير معالج بالمطلق.
وذكر في حديثه إلى «الأخبار» أن القطاع بكامله لا يحتوي سوى 3 محطات لمعالجة المياه، «وهذه المحطات تستوعب كميات أعلى من طاقتها الاستيعابية لتغطي أكثر من مليون و800 ألف مواطن، «لذلك، لا تجرى عملية المعالجة بصورة تامة»، أي أن ما يخرج منها فعلياً مياه ملوثة تحتوي على بكتيريا وفيروسات وطفيليات مضرة جداً بالإنسان، «وذلك على عكس ما يحدث في دول أخرى». ولفت حلس إلى وجود كارثة داخل وادي غزة الذي يخرج يومياً نفايات صلبة ومياه عادمة تضخ في البحر نحو 12 مليون ليتر من المياه العادمة، وهي محملة بمواد صلبة فيها تكتلات خطيرة على الإنسان والثروة السمكية.
حتى على مستوى مياه الشرب، فقد أصدر فريق الأمم المتحدة في غزة تقريراً عام 2012 جاء فيه أن المياه الجوفية في القطاع قد تصبح غير صالحة للاستخدام في حلول 2016، وأنه يستحيل علاج الضرر إذا استمر الوضع من دون تغيير حتى عام 2020. وأضاف التقرير إن ما لا يزيد على 10% من مياه الخزان الجوفي في غزة يمكن استخدامها في الشرب دون معالجة.
حلس كان قد أجرى مع طاقم من سلطة البيئة قبل عام دراسة على عيّنات من بحر غزة، وخلال الدراسة ظهر أن مياه البحر تحتوي على أكثر من 48% طفيليات ممرضة معدية. لم يكن هذا حال الماء فقط، بل كانت رمال البحر ملوثة أيضاً بنسبة 32%، وتحمل هي الأخرى طفيليات ممرضة ومعدية نتيجة عملية المد والجزر. في هذا الصدد، وجّه مدير دائرة التوعية إصبع الاتهام إلى الاحتلال الإسرائيلي، وأكد أنه وراء تفاقم مشكلة المياه، «فهو بحصاره منع سلطة البيئة من الحصول على قطع غيار ومعدات لحل مشكلة المياه، ولا على تمويل خارجي حتى، لإنقاذ الكثيرين من الأمراض». كذلك لفت إلى أن الانقسام كان يعطي صورة للعالم بأن غزة «تحكمها منظمة إرهابية هي حماس، لذلك لا تعطى تمويلات لها، بل كانت هناك مشاريع قائمة قد سحبت تمويلاتها».
وعن تأثير مشكلة تلوث البحر على الثروة السمكية، يقول الصيادون إن المياه تحمل تكتلات ملوثة في الداخل تتغذى عليها بعض أنواع الأسماك التي يجري اصطيادها. يضيف أحد الصيادين، ويدعى نادي الهسي: «بعض أنواع الأسماك تتغذى على هذا التلوث، وهذه الأنواع تباع بكثرة في الأسواق». وأضاف الهسي لـ«الأخبار»: «طوال ثلاثين عاماً من حياتي في الصيد، لم يسبق للبحر أن كان ملوثاً مثل هذه السنة، مع أن التلوث كان يزداد خلال السنوات الخمس الأخيرة، لكن أحداً لم يفعل شيئاً... في حال استمرار الوضع سيكون كارثة على المواطنين وعلينا نحن الصيادين لأن البحر مصدر رزقنا».
على المستوى الصحي، ذكر الطبيب سائد ربحي أنه في الوقت الحالي استقبلت مستشفيات كثيرة في غزة حالات مرضية بسبب دخول مياه البحر والسباحة فيها، لافتاً إلى أن هذه الحالات معظمها من الأطفال. وبعدما حذر من الأعراض المستقبلية الخطيرة لهذه الأمراض، قال ربحي لـ«الأخبار»: «في ظل هذا التلوث الخطير، وزع عدد كبير من الأطباء أوراق توعية على العائلات في غزة تحذرهم من الاستحمام في البحر نظراً إلى مخاطر ذلك، لكن العائلات لا تستقبل مثل هذه التحذيرات لأنها ترى في البحر المكان الوحيد للترفيه دون خيار بديل».
المفارقة أنه رغم كون مياه الصرف الصحي سبباً أساسياً في تلوث البحر والشاطئ، فإن سلطة جودة البيئة أوضحت في بيان أمس أن بلديات القطاع وصلت إلى مستويات خطيرة في العجز عن الاستمرار في ضخ مياه الصرف الصحي إلى محطات المعالجة أو الاستمرار في تشغيل هذه المحطات، وذلك بسبب انقطاع التيار الكهربائي وحزم الوقود لمدد طويلة.
وقال القائم بأعمال رئيس بلدية غزة، نزار حجازي، إن محطات الصرف الصحي قد تتوقف مساء اليوم، «ما يعني الاستمرار في تصريف المياه إلى البحر حتى لا تغرق الشوارع، وعليه سنضطر إلى إغلاق شاطئ البحر غداً (السبت)». وطالب حجازي، الرئيس محمود عباس وحكومة التوافق، بتحمل مسؤولياتهم تجاه القطاع الذي يقف على أبواب كارثة، داعياً المؤسسات الدولية والجهات ذات العلاقة إلى التدخل العاجل وتحييد البلديات عن أي مناكفات سياسية.
بذلك يصبح الغزيون بين أزمتين، إما أن تغرق بيوتهم في مياه الصرف الصحي، كما حدث قبل سنوات في القرية البدوية (شمال)، وإما أن يستمر الضخ في البحر دون حدود المعالجة المعقولة، ما يغلق المتنفس الوحيد عليهم.