استشهد فلسطينيان أمس من جراء حملة الجيش الإسرائيلي الكبيرة التي حصدت 4 شهداء وأكثر من 340 أسيرا من بينهم 50 محررا في صفقة 2012، وهي الحملة الأكبر منذ عملية السور الواقي عام 2002، من حيث اتساع النطاق وأساليب الاقتحام والتفتيش. وشيع الفلسطينيون كلا من الشاب محمد الطريفي (30 عامًا)، وأحمد فحماوي (27 عامًا) في مدينتي نابلس ورام الله، كما سجل في اليوم نفسه اعتقال الاحتلال أربع نسوة من عائلة اغبارية في جنين (شمال)، وهم أم وابنتاها وزوجة ابنها، فضلا عن 34 مواطنا آخرين في مدن أخرى.


هذه التطورات الدراماتيكية، ولا سيما في رام الله أمس، خلقت حالة من الاشتباك العفوي وغير المنظم بين قوات الاحتلال والشبان من جانب، والشباب وشرطة المدينة التابعة للسلطة من جانب آخر، وذلك في ساعات متأخرة من الليل. الجانب الأخير من الاشتباك يكشف عن وجه غير مألوف للمدينة، التي تعدّ عاصمة الثقل السياسي لبرنامج رئيس السلطة محمود عباس، لكنه (الاشتباك مع السلطة) ليس مؤشرا على حالة ثورية منظّمة.
الرأي نفسه يؤكّده المحلل السياسي عادل سمارة، الذي قال: «الحراك الشعبي لا يتخذ خطًّا مستقيمًا. فما حدث في رام الله اليوم رد طبيعي وفوريّ من الشباب على تقاعس شرطة رام الله، التي لم تكن تبعد بضعة أمتار عن مكان جنود الاحتلال». أما عن احتمال اتساع دائرة المواجهات، فيؤكّد سمارة لـ«الأخبار» أن «التحوّلات العربية وولادة أنظمة معادية للقضية الفلسطينية، تخفض سقف الحالة الثورية».
قياسًا إلى ما جرى قبل السور الواقي، أي قبل 12 عامًا، فإن ما يفعله الجيش الإسرائيلي هذه الأيام يحاكي احتلاله سابقا مدن الضفة ومخيماتها كافة، لكن هذا الوضع لم يقد الفلسطينيين حاليًّا إلى هبة كبيرة، وهنا يبرز التساؤل عن دور السلطة ورئيسها في منع ذلك. الواضح أن حالة الفتور الشعبي جاءت نتيجة سياسة التنسيق الأمني التي تنتهجها رام الله. على المستوى السياسي، الحكومات المتعاقبة رهنت استمرار رواتب الموظفين بانتماءاتهم السياسية، وقربهم من حركة «فتح»، وبالتحديد خطّ الحمائم الذي يرفض استخدام السلاح في وجه إسرائيل.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن التنسيق مع الاحتلال بكل جوانبه أودى بحياة أكثر من 65 فلسطينيًّا منذ انطلاق المفاوضات في تموز الماضي. هنا يتوقع القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، خضر حبيب، أن «الانتفاضة آتية لا محالة في ظل حياد السلطة عن الأجندة الوطنية». وطالب حبيب عبر «الأخبار»، الرئيس عباس، بمراجعة نهجه والحفاظ على الإنسان الفلسطيني بدلا من قتله، متوقعًا في الوقت نفسه تصاعد وتيرة العدوان الإسرائيلي في الضفة وغزة.
أكثر ما فعلته الرئاسة منذ مضي 10 أيام على الحملة الإسرائيلية، هو تكرار إعلانها أن من مصلحتها عودة المستوطنين المفقودين، لكنها استدركت أمس وصرحت بأنها تجري اتصالات مكثفة لعقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن الدولي، وذلك «لوضع حد للعدوان الإسرائيلي وتوفير الحماية للشعب الفلسطيني».
برغم ذلك، فكل المعطيات السابقة تشي بأن محمود عباس حازم في قراره منع العودة إلى «زمن الانتفاضة المدمّر»، كما عبّر عنه قبل أيام، وهذا يجعل فكرة نشوب انتفاضة جديدة في وجه التنسيق الأمني أو الاحتلال صعبة حاليًّا، برغم كل الضغط الإسرائيلي، وهو ما يؤكده المحلل السياسي نشأت الأقطش، الذي قال: «نحن على مفترق طرق الآن. فوجود الاحتلال في الضفة لم يعد مقبولا، كما أن وضعيّة السلطة بصفتها دولة غير عضو في الأمم المتحدة تسحب مبررات بقاء الاحتلال». يضيف الأقطش لـ«الأخبار»: «الاحتلال حاول استثارة حماس والجهاد الإسلامي لتفجير الأوضاع، لكن فصائل المقاومة لم تنجر إلى مربعه، لذا ستجد إسرائيل نفسها في نهاية المطاف مضطرة إلى الانسحاب إلى ما وراء الجدار»، إلا إن قررت خوض عملية عسكرية كبيرة في غزة، وهو ما يعني معادلة جديدة سترجح كفتها لأحد الطرفين.