بعد عشرة أيام على تحديد تل أبيب وجهة الاتهام، وإصدار الحكم وتنفيذه، وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بتقديم «أدلة» وصفها بأنها «لا لبس فيها»، وقال خلال جلسة الحكومة الأسبوعية، إن هذه الأدلة «ستكون مكشوفة أمام العالم خلال المدة القريبة». منذ الآن حدد نتنياهو، للآخرين، كيفية التعامل مع هذه الأدلة، وأن عليهم التسليم بها كما لو أنها حقائق مطلقة. على الأساس نفسه رأى أن ما سيقدمه «اختبار لمحمود عباس بشأن استعداده لتفكيك الشراكة مع حماس».


ويكشف موقف نتنياهو أنه يريد وضع قيادة السلطة أمام خيارين: إما تبني الموقف الذي يحقق الهدف السياسي للحملة العسكرية في الضفة المحتلة، والمتمثل في فك المصالحة بين «فتح» و«حماس» وهو مطلوب بذاته، إسرائيليا، وصار أكثر إلحاحًا بصفته بديلا عن الفشل المدوي لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية بعد عجزها عن إيجاد المستوطنين. الخيار الثاني رفض «الأدلة الإسرائيلية»، وهو ما سيسمح له (نتنياهو) باتخاذ هذا الموقف مبررًا إضافيًّا لاتهام السلطة بالتعاطف وتأييد الذين نفذوا عملية الأسر. في هذا السياق، سيضم نتنياهو الموقف المتوقع إلى سلسلة الاتهامات الموجهة ضد رام الله، ويتذرع بها لتقديم القيادة الفلسطينية على أنها غير مؤهلة لتنازلات إضافية تتصل بالقضايا العالقة والوصول إلى اتفاق نهائي.
وكما لو أنه لا يوجد آلاف الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية ومن ضمنهم مئات لم يصدر بحقهم أحكام قضائية، هاتف رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، ليؤكد له أن لدى تل أبيب معلومات تؤكد ضلوع «حماس» في أسر المستوطنين الثلاثة. لجهة الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا على أيدي جيشه تحت ذريعة البحث عن المستوطنين، قارب نتنياهو هذه الأحداث كما لو أنها «أضرار جانبية» يمكن أن تحدث في كل عملية عسكرية بهذا الحجم. على هذه الخلفية، رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي أن ما يجري مرتبط باحتكاك معين مع السكان والمواطنين في الضفة «وما من نية لدينا لإلحاق الأذى عمدًا بأحد، وبين حين وآخر هناك ضحايا نتيجة دفاع الجنود عن أنفسهم».
بالتوازي مع ذلك، يرتفع منسوب الحديث في الساحة الإسرائيلية عن إمكانية اتساع نطاق الحملة العسكرية باتجاه قطاع غزة، وذلك انطلاقا من أن كلا من الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني، لديه أسبابه من الناحية النظرية لمواجهة عسكرية ما. بالنسبة إلى الإسرائيلي، يسود نوع من التقديرات والمخاوف إزاء إمكانية لجوء فصائل المقاومة في غزة إلى الرد على الحملة الواسعة في الضفة.
في المقابل، تتفشى تقديرات أخرى بأن الإسرائيلي بات يحتاج، في أعقاب الفشل الاستخباري والعملياتي في الضفة، إلى إعادة تعزيز قدرة الردع في مقابل المقاومة، وخاصة بعد عمليات إطلاق الصواريخ التي تتساقط من حين إلى آخر في المستوطنات الإسرائيلية. أيضًا يرجح أن يكون منسوب المخاوف الإسرائيلية قد ارتفع لجهة تنفيذ عملية أسر على الحدود مع القطاع، وذلك بعدما ثبت لديه أن الفصائل تخطط لتنفيذ عملية من هذا النوع.
ضمن هذا الإطار، رأى المعلق الأمني في موقع «واي نت»، رون بن يشاي، أن هناك ثلاثة أسباب تجعل العملية العسكرية ضد غزة تقترب أكثر من أي وقت مضى. «وهي إطلاق الصواريخ اليومية، والضائقة التي تعيشها حماس، والحاجة الإسرائيلية إلى ترميم قدرة الردع، بعدما تآكلت أخيرًا في عملية عمود السحاب»، في ما يتعلق بالسبب الأخير، ينقل بن يشاي عن ضباط في هيئة أركان الجيش قولهم إن الأخير يجهز نفسه لعملية قصيرة «لكنها الأكثر تدميرًا». ويضيف المعلق العسكري: «الجيش سيحاول تدمير البنية التحتية للصواريخ والوسائل القتالية في غزة، فيما هو يواصل ضغطه في الضفة».
وبرغم الأوضاع السائدة في المنطقة العربية، دفعت القضية الفلسطينية إلى مكان هامشي، وفي ظل سوابق مثل الحملات العسكرية الواسعة ضد القطاع (الرصاص المصهور وعمود السحاب)، فإن بعض التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية والغربية تشير إلى وجود ما يبعث على الخوف من الإقدام على عملية مماثلة، وذلك على خلفية القلق من تحرك الشارعين المصري والأردني. ومن المتوقع أن أي عملية ستدفع تلك الأنظمة والشعوب إلى إبداء تضامنها مع غزة، وهو ما سيمس التعاون الأمني مع عمان والقاهرة، وهذا أمر غير مرغوب فيه إسرائيليًّا.
في السياق، رأى معلق الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، أن «الجيش الإسرائيلي يكتفي في هذه الأثناء بغارات جوية، وعلى الأرجح أنه لن يبادر إلى عملية عسكرية واسعة»، لكنه عاد وشدد على أن «الكرة موجودة بأيدي رئيس الحكومة وقادة المنظومة الأمنية، فهم الذين سيقررون هل هناك حاجة إلى إرضاء غريزة الانتقام لدى الجمهور الإسرائيلي تبرر خطوات عسكرية وسياسية من شأنها أن تقود إلى التصعيد، الذي تكون بدايته معروفة ونهايته غير معروفة».