بموجب التسويات التي حصلت في مناطق عدّة من ريف دمشق، كان يُشترط على المسلّحين المتشدّدين الخروج من تلك المناطق. وهؤلاء بدورهم كانوا يمتثلون لهذا الأمر تحت ضغط «ميزان القوى» الذي يفرضه المسلّحون المنخرطون في عداد التسويات، إضافة إلى الضغوط الأهلية والشعبية، التي تخشى التنظيمات المتشدّدة تحوّلها إلى فضيحة إعلامية يستثمرها إعلام «النظام» في مواجهتهم.


تجري الأمور على هذا النحو، إذا كانت التنظيمات المتشدّدة، التي هي عادة «جبهة النصرة» أو فصائل محدّدة من «الجبهة الإسلامية»، «تتحلّى بقليل من العقل أو التفكير المنطقي»، يقول ميلاد العابد، ابن حي ركن الدين الدمشقي، «أو إذا كانت تلك التنظيمات تنصت إلى معلميها من أطراف إقليمية ودولية تدير معركة متكاملة، إعلامية وسياسية وعسكرية، في مواجهة الدولة السورية». فمن الخطأ بمكان أن يغالي أي طرف مسلّح بعناده للحاضنة الشعبية المحيطة به، «وهذا بحد ذاته بات فنّاً، حتّى تنظيمات القاعدة العاملة في سوريا دأبت على تعلمه»، يضيف.
توصّل ميلاد، ومثله كثيرون، إلى هذه القناعة بعد تجارب مريرة مع المتشدّدين الذين فقدوا لغة العقل، وفقدوا في الوقت ذاته قنوات التواصل مع «المعلم»، الذي ما انفك يرشدهم إلى طريق «الصواب». بالرغم من أن ميلاد من حي ركن الدين، إلا أنه نشأ فيّ حي برزة الذي لا يبعد سوى كيلومترين عن حيّه. نزح مع معظم أهالي برزة مع تصاعد العمل المسلّح في الحي الصغير، ولم يعد إليه حتّى انعقاد المصالحة فيه. أثناء عودته لتفقد بيت والديه، ألقت «جبهة النصرة» القبض عليه، التي تفاجأ بوجودها في الحي رغم التسوية.

«المناطق» التي يسيطرون عليها هي البناية ونفق يصلهم إلى مبنى آخر
عبر ميلاد حاجزي الجيش السوري و«الجيش الحر» المتقابلين في مدخل الحي، من جهة منطقة عشّ الورور، بعد أن أبرز الأوراق التي تثبت أنه من قاطني الحي. وصل إلى بيته في عمق الحي، من جهة الجنوب، استغرب وجود مسلّحين بلباس باكستاني ولحى طويلة وشعرٍ متدلٍّ على الأكتاف بجوار بيته. «في البداية تساءلت في نفسي: كيف بلغت الحال هكذا بمسلّحي الجيش الحر؟! حتى بادرني هؤلاء بطلب هويتي، واعتقالي، فعلمت أنهم من جبهة النصرة»، يقول لـ«الأخبار».
«هي بناية واحدة، بقيت لجبهة النصرة في برزة، بالرغم من التسوية، لا يقطنها سوى بضع عشرات من المسلّحين الذين رفضوا التسوية، ورفضوا الخروج من الحي في آن واحد»، يضيف.
«المناطق» التي يسيطرون عليها هي «البناية. ونفق يصلهم إلى مبنىً آخر، كان مدرسة في السابق، حيث تقع محكمتهم الشرعية». يتزعم هذه المجموعة شاب يتكلّم العربية، باللهجة المغربية، «ولا يفقه شيئاً، لا بالعلم ولا بالعقل ولا بالدين، ولا حتّى بجغرافيا المنطقة التي يقطن فيها»، يروي ميلاد.
«الأمير المغربي والقاضي والزعيم في آن واحد»، وجّه تهمة «خطيرة» إلى ميلاد، مفادها أنّه «نصراني»، وحجّته في ذلك الاسم. لم يتجرأ ميلاد على إخباره بأن أباه اليساري سمّاه بهذا الاسم حفظاً لذكرى «رفيق نضال قديم»، بل كان عليه إثبات إسلامه، بتلاوة السور والآيات الملائمة التي تثبت ذلك على نحو قاطع. دارت مجريات المحكمة في المدرسة القديمة التي تشكل نصف «الدولة» التي يحكمها هؤلاء. خلال ثلثي مدّة المحاكمة، التي استغرقت أقل من ربع ساعة، حاول ميلاد إقناعهم بأنه «كردي». ولكن عبثاً. وعندما قال لزعيمهم أنه من حي ركن الدين، سأله الزعيم بلغة فصيحة ركيكة «وأين تقع هذه ركن الدين؟»، عندها فهم ميلاد أن مأزقه في تفاقم، ما دفعه إلى تلاوة بعض من قصار السُّوَر، التي أنقذته من براثن تلك الجماعة.
لا أحد يعلم ماذا سيكون مصير تلك البناية في المستقبل، ولا سيما أنّ الجيش يسيطر على محيط برزة، وفي الوقت نفسه يتجنّب قصف البناية حفاظاً على المصالحة، ولوجودها في منطقة عادت لتكون آهلة بالسكّان. وفي المقابل لم يفلح مسلّحو التسويات في إخراجهم من المنطقة. البعض ممن تعامل مع أفراد تلك المجموعة رجّح أنهم «آتون من خارج التاريخ؛ فلا أفق لديهم في أداء أي دور، ولا في الفرار، ولا حتّى المواجهة!».