بغداد - خلال عامي 2006 و2007، تداعت حياة البغداديين سريعاً على وقع استعراضات بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة قام بها آلاف من الشبان المتطوعين والميليشيات ذات الصيت المخيف آنذاك. تستعاد هذه الصور اليوم على وقع ما يشاهده المرء في شوارع عاصمة الرشيد.


تغص شوارع بغداد اليوم بسيارات مدنية مليئة بالمسلحين. سيارات ترفع العلم العراقي وصور مراجع دينية وعلماء شيعة، في وقتٍ ينطلق فيه أكبر استعراض عسكري لـ«جيش المهدي» التابع للتيار الصدري في بغداد، صباح اليوم، مدعوماً بأسلحة ثقيلة (راجمات صواريخ، ومدافع متوسطة المدى، وهاونات، وصواريخ كاتيوشا).
ويؤكد أحد قادة «لواء اليوم الموعود»، أحد فصائل «جيش المهدي»، أبو يقظان الموسوي لـ«الأخبار»، أن أكثر من مئة ألف مسلح سيمرون في شوارع بغداد كـ«غيمة سوداء»، في إشارة إلى لون الملابس التي عرف بها «جيش المهدي». ويضيف أن «هذا الاستعراض جاء بناءً على طلب السيد مقتدى الصدر»، قائلاً: «نحن بدورنا سنثبت ولاءنا واستعدادنا لأي حرب وأي عملية أمنية، ولا نحتاج إلا لأمر القائد»، مؤكداً «إرسال مئتي مقاتل إلى محافظة ديالى».
ويشير الموسوي إلى أن جيش المهدي «لن يتعرض لأي طائفة في العاصمة»، ولن يهاجم مصالحهم، لافتاً إلى أن «هدفنا عناصر تنظيم داعش الإرهابي فقط».
ومع تزايد مخاوف سكان بغداد من عودة الميليشيات إلى الشوارع، اضطرت نقاط التفتيش الأمنية إلى إبلاغ القيادة العليا بعدم التعرف إلى طبيعة الميليشيات وأهدافها، وهي تجوب الشوارع. ويؤكد النقيب في جهاز الشرطة الاتحادية محمد الساعدي، المكلف حماية إحدى مناطق زيونة الراقية (وسط بغداد)، أن الخوف يساور جميع الجنود من استغلال مسلحي «داعش» هذه الاستعراضات والدخول إلى هذه المنطقة المسالمة.
في هذا الإطار، أفاد مصدر مسؤول في مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية لـ«الأخبار»، بأن هذا الأمر بات بحاجة إلى اتفاق سياسي، لإقناع قيادات الميليشيات بـ«نهي أعوانهم» عن الاستعراض في شوارع العاصمة «من دون علم القوات الأمنية». وأوضح أن الأمور لم تخرج عن السيطرة، لكن القوات الأمنية بحاجة إلى التعرف إلى الأرتال المسلحة في شوارع بغداد، فضلاً عن فتوى المرجع الديني السيد علي السيستاني التي تلاها وكيله في كربلاء بشأن ضرورة إنهاء المظاهر المسلحة في جميع شوارع المدن المستقرة أمنياً وفي بغداد.
وشدد وكيل السيستاني وخطيب وإمام جمعة كربلاء أحمد الصافي، على ضرورة «حصر السلاح بيد الدولة ومنع المظاهر المسلحة». وأكد، في خطبة صلاة الجمعة، أن المرجعية «لا تؤيد أي مظاهر مسلحة خارج إطار الدولة»، داعياً المتطوعين إلى «الانضمام إلى القوات المسلحة تحت لواء الدولة فقط».
نهاراً، بدا الارتباك واضحاً على شوارع بغداد بعد تسيير عشرات الاستعراضات الجماعية لميليشيات وعشائر مساندة لفتوى السيستاني، فيما سجلت بغداد عودة الجثث من مناطق «السيدية» و«الغزالية» و«فلسطين» المختلطة.
ووسط إجراءات أمنية مشددة، فقد ليل بغداد بهجته، وباتت العائلات تعود مبكرة إلى منازلها، على وقع تحذيرات بالغة من قبل رجال الأمن في الشارع، وإمكانية فرض حظر تجوال في أي لحظة، فضلاً عن سماع إطلاق نار متقطع من مختلف الاتجاهات، من قبل عناصر ميليشيات تقوم بـ«اختبار» أسلحتها التي ألقتها جانباً منذ نحو خمس سنوات.
وعلى الرغم من أن الميليشيات تحاول طمأنة الأهالي، انطلاقاً من كونهم أصحاب تجربة في مقاتلة مسلحي تنظيمات القاعدة خلال عامي 2007 و2006، لا يزال أهالي بغداد يتذكرون المآسي التي سببتها الميليشيات خلال تلك الفترة، وخروجها عن إرادة قياداتها لاهثةً وراء المال، من خلال السيطرة على المرافق الخدماتية، وكسر هيبة الدولة. ينطلق اليوم أكبر استعراض عسكري لـ«جيش المهدي» في بغداد