مع بداية الأسبوع الثاني على أسر المستوطنين الثلاثة، تتواصل العملية الإسرائيلية في الضفة المحتلة، مصحوبة بقدر أقل من التفاؤل إزاء إمكانية تحقيق نتائج إيجابية تتصل بمصير المستوطنين، مع تقديرات متعارضة عن حجم ومفاعيل الضربة التي وجهت إلى «حماس» وفصائل المقاومة، بما فيها التأسيس لواقع قد يؤدي لاحقاً إلى تقويض المصالحة بين السلطة و«حماس»، وخاصة في ضوء الانتقادات القاسية التي وجهها رئيس السلطة محمود عباس إلى العملية التي يبدو أنها تستهدف تحرير آلاف الأسرى من السجون الإسرائيلية.


الانطباعات المركبة والمتعارضة في الساحة الإسرائيلية تواكبها تقديرات في المؤسسة الأمنية تتحدث عن إمكانية أن تعزز العملية العسكرية محاولات تنفيذ عمليات مقابلة ضد الجيش أو المستوطنين، كما أوضح مصدر أمني، كشف أيضاً أن «الأجهزة الاستخبارية تأخذ هذه الفرضية بالحسبان وتعمل على إحباط مثل هذه العمليات».
مع ذلك، لا يعني إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، موشيه يعلون، أن فرضية العمل بأن المستوطنين الثلاثة «على قيد الحياة»، أنها فرضية مبنية بالضرورة على معلومات أو مؤشرات فعلية ترجح هذه النظرية أو تلك، بل هي تعبير عمّا ينبغي أن يكون أكثر من كونه استناداً إلى ما هو موجود في الواقع. فقد أوضح يعلون لعناصر الوحدات الخاصة التي تشارك في العمليات أنه يجب عليهم «أن يأخذوا هذه الفرضية بالحسبان إذا ما أصبحوا قريبين من الجهة المسؤولة عن العملية».
مع ذلك، تحدثت تقديرات إسرائيلية عن أن عمليات الجيش ستتحول إلى المستوى الاستخباري، وذلك مع الأخذ بالحسبان بدء شهر رمضان بعد 10 أيام «الأمر الذي من شأنه أن يقلل بصورة ملموسة حملات الاعتقال والاقتحامات في الضفة». وتشير تلك التقديرات إلى أن المرحلة التالية في «المعركة المتواصلة ستكون ضد قطاع غزة»، وأنّ من المرجح أن تكون أسرع من التوقعات. وهو ما يعني أن عمليات البحث قد تكون استنفدت خياراتها حتى الآن.
لجهة المواقف التي تصر على رفض إجراء أي عملية تبادل مستقبلاً، أكد أمس، الوزير عن حزب «البيت اليهودي» المتطرف، أوري أريئيل، أن التبادل سيؤدي إلى تنفيذ عمليات أسر جديدة في المستقبل. والواقع أن هذه المواقف باتت أسيرة مواقف سابقة، ومن الصعب على أصحابها التراجع عنها، أو إنها صارت جزءاً من الحرب النفسية على المقاومين.

المسّ بأهداف مدنية لمدة طويلة لن يقابله الفلسطينيون بالصمت
في كل الأحوال، يبقى الاختبار الجدي لمواقف المسؤولين عندما تقدر الأجهزة الاستخبارية أن استعادة المستوطنين مرهونة بمفاوضات تبادل، وفي تلك المرحلة يمكن النظر بجدية كبرى إلى المواقف المؤيدة أو المعارضة، لكن العامل الأكثر تأثيراً في بلورة هذه الخيارات مرتبط بموقف المجتمع الإسرائيلي، وهل هو على استعداد لقبول هذه المعادلة التي يروج لها اليمين الإسرائيلي.
بالاستناد إلى مؤشرات ومحطات سابقة، سيشكل الموقف الشعبي العامل الحاسم في هذا المجال. أيضاً، ماذا لو اعتبر المقاومون (ردّاً على الموقف الإسرائيلي المتعنت) أنه بات من الضروري فعل عمليات أسر جديدة من أجل إقناع القيادة الإسرائيلية بالتبادل؟ في كلتا الحالتين ستواجه تلك القيادة تحديات قاسية، وستشهد الساحة العبرية تجاذبات سياسية وشعبية حادة، أيّاً كان التوجه الرسمي الذي ستتبناه القيادة السياسية.
بالعودة إلى الحملة، حذر المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، من أن الحملة العسكرية الموجهة أساساً ضد «حماس» قد تمس الهدف الثاني المعلن، وهو البحث عن المستوطنين الثلاثة. وأضاف هرئيل: «الجيش والشاباك لا يزالان يبحثان عن طرف خيط أو كسرة معلومات ذات صلة»، لافتاً إلى أنه مرت لحظات كان يظن القائمون فيها أن الهدف بات قريباً، «لكن سرعان ما تبددت هذه الأوهام».
وتابع المعلق العسكري: «إن لم يكن المستوطنون على قيد الحياة كما يحدث في غالبية عمليات الاختطاف في الضفة، فإن حل اللغز الاستخباري سيكون أصعب بكثير»، ورأى أن تأخر إنجاز الهدف الأساسي يزيد حاجة المستوى السياسي، «وإلى حد ما العسكري»، إلى تحقيق إنجاز بديل. «من هنا تولدت المعركة ضد حماس»، يكمل هرئيل، «وجرى ضمنها اقتحام مكاتب جمعيات الزكاة ونقابات الطلاب ومحطات الإذاعة». أما في ما يتعلق بالتقديرات بأن العملية العسكرية ستضعف الحركة، فرأى أنها «غير مقنعة». المعلق في «هآرتس» يعلق على هذه النقطة: «إضعاف حماس كان مهمة السلطة، وقد فعلت ذلك جيداً بين 2008م حتى 2013»، متوقعاً أن الشعور بالإحباط نتيجة العجز عن تحقيق نجاح في الضفة قد يدفع إسرائيل إلى تشديد قبضتها على «حماس» في غزة. وحذر في الوقت نفسه من أن «المس على نطاق واسع بأهداف مدنية لن يقابل بالصمت من الجمهور الفلسطيني لمدة طويلة»، وهو استند في ذلك إلى تصريحات ضابط إسرائيلي مطلع نبّه إلى أن وصمة التعاون مع الاحتلال التي تلصقها حماس بالسلطة «ستصبح دامغة».
في «هآرتس» أيضاً، رأى معلق الشؤون السياسية والحزبية، يوسي فيرتر، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «خلافاً لسابقيه في المنصب، يخشى التورط العملاني أو التورط دون فائدة في أي مستنقع خارج حدود الدولة أو الخط الأخضر»، ويخشى نتنياهو، وفق فيرتر، «صور الجنود القتلى في الصحف، والجنازات العسكرية والاحتجاجات الشعبية المتصاعدة».
ويرى المعلق في «هآرتس»، أن أكثر ما يخشاه نتنياهو هو «المجهول وغير المتوقع في ما يتعلق بمخاطر الحملة العسكرية في عمق الضفة»، مضيفاً: «من المعتاد القول إن رؤساء الحكومة الإسرائيليين من اليسار يشنون الحروب، ومن اليمين يصنعون السلام، لكن نتنياهو لم يتميز في الحروب، ولا السلام». وخلص فيرتر إلى نتيجة مفادها أن الحملة العسكرية «يقودها رئيس الوزراء بحذر»، مستدلًا بـ«أنه في جلسة المجلس الوزاري المصغر كان عصبيّاً ومتجهماً وغاضباً، ويصرخ لدى أي حركة، كذلك لم يسمح لأحد بإتمام جملة».