خلافاً للتوقّعات، جاءت مخرجات مؤتمر الرياض لتطيح أعلى هرم «الشرعية»، الرئيس عبد ربه منصور هادي، ونائبه علي محسن الأحمر. وحتى قبيل ساعات من إعلان القرار، كان المشاركون يناقشون تعيين نائبَين لهادي فقط، لكن «الطبخة» كانت جاهزة في مكان آخر، ولا علاقة لها بالحوار الشكلي في العاصمة السعودية. وفي الوقت الذي انتظر فيه الجنوبيون، وخصوصاً المؤيدون منهم لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، أن يتمخّض المؤتمر عن مخرجات تعيد القضية الجنوبية إلى موقعها الصحيح، فوجئ الجميع بمشاركة رئيس «الانتقالي»، عيدروس الزبيدي، ضمن المجلس الرئاسي الجديد، الذي من أولوياته «حفظ وحدة البلاد»، الأمر الذي يتناقض مع أدبيات الأول المعلنة، والقائمة على هدف استعادة «الدولة الجنوبية». لكن «الانتقالي» خرج من الرياض بغير الذي ذهب من أجله، وهو الذي شدّد قبل المشاركة على «أهمية التمثيل الندّي للجنوب في مسارات التشاور وفقاً لمقتضيات اتفاق الرياض، وتماشياً مع معطيات الواقع التي تفرضها السيطرة والحضور الفاعل على الأرض». ولم يكتفِ بذلك، بل أعلن رفضه الحديث عن أي «مرجعيات سابقة»، لكن تلك المرجعيات هي نفسها التي تشكّل بمقتضاها المجلس الرئاسي الجديد.

كيف رضخ «الانتقالي» لإملاءات الرياض وأبو ظبي بهذه السرعة، على رغم تصريحات قياداته بأن لديه من القوة ما يمكّنه من «قلب الطاولة»؟ الحقيقة تبدو مختلفة، وخصوصاً مع تغيّر الخريطة السياسية والعسكرية في الجنوب، خلال الأشهر الماضية، وبروز قوى جديدة تزاحم «الانتقالي» على السيطرة، وأحياناً تزيحه من بعض المناطق، مثل قوات «العمالقة» التي يقودها أبو زرعة المحرمي، المعيّن عضواً في مجلس الرئاسة، إضافة إلى قوات «المقاومة الوطنية» التي يقودها طارق صالح، المعيّن أيضاً في المجلس نفسه. هاتان القوتان سجّلتا حضوراً لافتاً في المناطق الجنوبية، وخصوصاً في عدن ولحج وشبوة، وحظيتا بدعم سخي من قِبَل الرياض وأبو ظبي، خلافاً لـ«الانتقالي» الذي انكمش دوره في الميدان، بعد توقيف ميزانية قواته العسكرية والأمنية منذ أشهر. وقد جاءت الخطوات التي ضيّقت من خلالها الرياض وأبو ظبي الخناق على «الانتقالي»، وفق خطة مدروسة من أجل تذويبه في المجلس الرئاسي الجديد، حتى تضْمنا بقاء الجنوب ضمن المناطق التي يسيطر عليها «التحالف»، وعدم ذهاب «الانتقالي» أو حتى أيّ مكونات جنوبية أخرى، إلى تحالفات إقليمية مناهضة لهما.
هكذا انتهى المطاف بـ«الانتقالي» بعد دخوله ضمن التوليفة الجديدة، إلى التخلّي عن مشروعه السياسي الهادف إلى استعادة الدولة الجنوبية، لمصلحة مشروع السعودية والإمارات، لكن انخراطه ضمن هذا الأخير، بهذه الطريقة، سيكبّده خسائر فادحة لا تقتصر على بنيته التنظيمية، بل ستمتدّ أيضاً إلى المستوى الجماهيري المؤيد له، وخصوصاً أنه استهلك كلّ خطابات «الحراك الجنوبي» السياسية من أجل «دغدغة» عواطف الجنوبيين المنخرطين في «الحراك»، منذ تأسيسه قبل خمس سنوات حتى مشاركته في مجلس الرئاسة.