الخرطوم | أزمات كثيرة تثقل كاهل السودانيين راهناً، بدءاً بغلاء المعيشة وليس انتهاءً بانعدام الأمن، وتحديداً في العاصمة الخرطوم. إذ على رغم سيطرة القوات المسلّحة على مفاصل الحُكم منذ خمسة أشهر، إلّا أنها فشلت في تحقيق أولى مهامها، وهي فرض الأمن وإنفاذ هيبة الدولة، والتي من أجلها قال قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إنه قام بخطوته الانقلابية ضدّ الحكومة المدنية. ويعيش سكّان العاصمة حالة من الهلع المستمرّ، على خلفية ازدياد جرائم النهب المسلّح في قلب الخرطوم، وأحياناً كثيرة في وضح النهار، فضلاً عن استشراء ظاهرة السرقات الليلية وخطف الحقائب النسائية والهواتف النقّالة بواسطة سائقي الدراجات النارية. وفيما تقاعست وزارة الداخلية بأجهزتها المختلفة عن قيادة أيّ حملات للتصدّي لتلك الظواهر، لم تتمكّن أجهزة الشرطة والمخابرات من إلقاء القبض على مرتكبي الجرائم، الذين يَظهرون في معظم الأحيان مرتدين ملابس تخصّ القوات النظامية بمختلف تشكيلاتها. واللافت أن هذه المجموعات الإجرامية تنشط في الأيام التي تشهد تظاهرات مطالبة بإسقاط الانقلاب العسكري، بل إن الكاميرات وثّقت العديد من حالات السرقة لأفراد من القوات النظامية مكلّفين بفضّ التظاهرات، حيث يستغل هؤلاء التفويض الممنوح لهم من قِبَل قياداتهم للاعتداء على المواطنين في الشوارع العامّة، ونهب ممتلكاتهم الشخصية الثمينة.

وما يزيد الوضع سوءاً اشتداد الأزمة المعيشية الخانقة التي يعيشها السودانيون نتيجة السياسات والقرارات التي اتّخذتها وزارة المالية، في محاولة لسدّ العجز في الإيرادات والفجوة في المصاريف خصوصاً منها معاشات الموظفين، وهو ما دفعها إلى تدفيع المواطن الكلفة عبر مضاعفة الرسوم الحكومية نظير الخدمات. كذلك، أقرّت وزارة المالية زيادة كبيرة في أسعار المحروقات وصلت إلى ثلاثة أضعاف، وزيادة في أسعار الخبز والسلع الاستهلاكية. ويرى خبراء اقتصاديون في تلك الإجراءات مؤشّرات إلى الانهيار الاقتصادي، وبالتالي فشل الدولة في إيجاد الحلول، ولا سيما بعد أن جرّبت الحكومة القائمة خيارات كثيرة للسيطرة على غلاء السوق، لن يكون آخرها تحرير سعر صرف العملات الأجنبية، والذي أقرّه البنك المركزي قبل أسبوعين، متسبّباً بتدنّي قيمة الجنيه السوداني إلى مستويات غير مسبوقة. ويشبّه مراقبون ما يحدث الآن بالمرحلة التي سبقت سقوط الرئيس المعزول، عمر البشير، حيث يبدو أن زيارة رئيس «المجلس السيادي»، عبد الفتاح البرهان، إلى دولة الإمارات لم تؤتِ أُكُلها بعد، على الرغم من أن التصريحات الرسمية التي أعقبت الزيارة تحدّثت عن ضخّ أبو ظبي أموالاً في البنوك السودانية لم يتمّ تحديد قيمتها، لإنعاش الاقتصاد المترنّح منذ توقّف المساعدات الأميركية بعد انقلاب 25 تشرين الأول الماضي.
ويأتي هذا في وقت فشل فيه البرهان في تشكيل حكومة مدنية تنجح في تسكين غضب الشارع، الذي لم يهدأ منذ انقلابه. كذلك، فشلت المبادرة الأممية بقيادة مبعوث الأمين العام للمنظّمة الدولية إلى السودان، فولكر بيرتس، في خلق إجماع حول رؤية سياسية موحّدة بين الأطراف المختلفة لإدارة المرحلة المقبلة، وبدا من آخر بيان صادر عن البعثة الأممية أن الوضع يتّجه نحو الأسوأ، إذ حذّر البيان من أنه «ليس لدينا متّسع من الوقت، والبلاد شهدت تدهوراً اقتصادياً واجتماعياً وأمنياً في الأشهر الأربعة الماضية، وهناك مواقيت مهمّة متعلّقة بإعفاء الديون والمِنح من البنك الدولي ستضيع على السودان إن لم يتمّ التوصّل إلى حلّ قبل شهر يونيو». وبينما الصورة بهذه القتامة، يبدو أن رئيس «مجلس السيادة» ونائبه قائد قوات «الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، في سباق محموم يوحي بأن معركة كسر العظم بين الجنرالين أصبحت قريبة.