ريف دمشق | لا يستطيع عبد الغالب علي، مدرس الفيزياء في إحدى ثانويات ريف العاصمة، أن يكبت انفعاله عند الحديث عن أزمة المياه: «وصلنا أنا وزوجتي إلى حد تقسيم رواتبنا لتأمين حاجاتنا، ففيما خصصت راتبي كاملاً لسد نفقات الكهرباء والمياه وايجار المنزل، تكفلت زوجتي بتأمين الطعام وأجرة المواصلات. وما زلنا نعيش في الدَّين». وفضلا عن مخاطر الحرب العسكرية «نعيش كمن يشارك في ماراتون يومي، لابتداع وسائل كثيرة لتخزين المياه، معظم الأوقات أبقى حتى الساعة الثالثة فجراً كي أتمكن من ملء نصف خزان المياه!».


يعيش سكان العاصمة وريفها عبئاً يومياً متمثلاً في صعوبة تأمين مياه الشرب والغسيل. مئة وعشرون دقيقة هي الحد الأقصى لتوافر التيار الكهربائي على نحو مستمر في معظم تلك المناطق، حيث لا تستطيع مضخات المياه تأمين الكمية الكافية من مياه الشرب التي تحتاج إليها أسرة واحدة خلال يوم كامل، ولا سيما إن كانت العائلة تسكن في الطوابق العليا للأبنية السكنية، ما يجبرها على تركيب جرّار للمياه، وبالتالي على زيادة اعتمادها على التيار الكهربائي لاستجرار المياه.
ومع تفاقم الأزمة، ازدادت التساؤلات عن آلية التنسيق بين الشركتين العامتين للكهرباء والمياه. «لماذا لا يجري التنسيق على مستوى المعنيين في الشركتين لتأمين توافر الكهرباء لساعات متتالية خلال النهار، على حساب زيادة التقنين في ساعات الليل؟ وعندها يمكننا أن نجد الوقت اللازم لتخزين المياه»، يتساءل سلام عثمان، أحد سكان حي الزاهرة في دمشق. ويؤكد لـ«الأخبار» أنّ الحيلة الوحيدة بيد السكان هي اللجوء إلى «صهاريج» المياه الجوالة، التي أصبحت ظاهرة منتشرة في عموم ريف دمشق... و«هذا ما جعلنا عرضةً لسمسرة التجار، حيث وصل سعر البرميل الواحد من 200 ليتر إلى أكثر من 300 ليرة سورية».


تحتاج الأسرة إلى
دفع 45000 ليرة سورية شهرياً لملء خزان بسعة 5 براميل يومياً

تحتاج الأسرة إلى دفع ما يزيد على 45000 ليرة سورية شهرياً (ما يقارب 270 دولارا)، إذا لجأت إلى هذه الطريقة لملء خزان بسعة 5 براميل يوميا. وهي الطريقة التي تتبعها بعض الأسر الميسورة الحال في ريف دمشق، فيما تبقى العائلات المتوسطة الدخل رهينة حاجتها للمياه.
في المقابل، يؤكد أحد العاملين في شركة كهرباء دمشق أنّ الشركة لا تستطيع تأمين الكهرباء لساعات متواصلة، حتى وإن كان البديل هو زيادة ساعات التقنين مساءً، حيث «أننا إذا لجأنا إلى تلك الطريقة فستزيد الحمولة على الكهرباء، وهو ما سيؤدي إلى أعطال فادحة، قد نحتاج إلى أيام لإصلاحها». وينذر المصدر ذاته بأنّ «الأزمة قد تزداد في شهور الصيف، حيث أن الحمولة تزداد على نحو طبيعي نتيجة لاستخدام المكيفات». وأمام سعي السكان إلى تخزين كميات أكبر من المياه، عادت تجارة الخزانات لتشهد ارتفاعاً من جديد، إذ ارتفع سعر الخزان سعة 5 براميل إلى أكثر من 16000 ليرة سورية، وهو ما يمثل عبئاً حقيقياً على الأسر من ذوي الدخل المتوسط.

مياه الشرب «لناس وناس»

منذ بداية العام الحالي، ارتفعت أصوات الكثير من سكان دمشق، رفضاً لحالة عدم المساواة في توزيع المياه. «فيما تصل ساعات تقنين المياه إلى أكثر من 20 ساعة في منزلنا (صحنايا)، لا يعاني صديقي تلك الأزمة في حي المالكي»، يؤكد أحد موظفي وزارة الزراعة. ويضيف: «الجميع بات يعلم بأن هناك قضايا فساد داخل دوائر الدولة في صحنايا، فلماذا لا تعالَج؟». وخلال اتصال «الأخبار» مع أحد موظفي شركة مياه دمشق، أكد أنّ المشكلة ليست من دوائر الدولة، إذ إن «المياه كانت مخصصة لعدد معين من سكان الحي، فكيف يمكن أن تتضاعف أعداد السكان، نتيجةً للنزوح الداخلي؟». في المقابل، يؤكد موظف آخر أن تلك الحجة غير مقبولة، و«ذلك هروب من تحمل المسؤولية، فالكمية التي تصل إلى صحنايا الآن، هي أقل من الكمية التي كانت تصل قبل الأزمة، برغم قلة عدد السكان حينها». فالأزمة «متعلقة بضعف شبكات التوزيع، والاستهدافات الإرهابية المتكررة التي طاولتها، تضاف إليها أخيراً حالات الفساد الخانقة التي تضعف من أداء جهاز الدولة».