باءت محاولة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق طوني بلير، إبعاد اللوم عن نفسه بشأن الأزمة العراقية الأخيرة، بالفشل. فتصريحاته أخيراً، بأنه «يجب أن نحرّر أنفسنا من فكرة أننا سببنا هذه الأزمة»، لم تشفع له ولم تبرّئ ساحته. بل على العكس، فتحت هذه الادعاءات أبواباً كان بغنى عنها، فانطلقت الصحف البريطانية بشنّ هجوم عليه، مشيرة إلى أنه ظهر على أنه «منفصل عن الواقع».


ورأى الكاتب ايان بيريل في مقال في صحيفة «ذي اندبندنت»، أن طوني بلير «ذهب إلى أبعد من السخرية، في محاولته الأخيرة لتبرئة نفسه من ذنب الأحداث المرعبة التي تحصل في العراق».
وفي إشارة إلى مقال بلير الذي نشره منذ أيام على موقعه على الانترنت، قال بيريل إنه «ما زال يتحدث بطريق تثير الذهول، حول امتلاك صدام حسين أسلحة الدمار الشامل، رغم الأدلة التي أظهرت أنه تخلى عنها».
وفي معرض انتقاده، قال الكاتب إن بلير «لم يكتفِ بلوم الجميع إلا نفسه على المجزرة الحالية في العراق، بل إنه ادعى أنه يتحدث بتواضع». وأطلق عليه الحكم قائلاً إنه «فقد الاتصال مع الواقع». وفي هذا الإطار، تحدّث بيريل عن تمويلات «مشبوهة» يحصل عليها بلير من «حكام مستبدين» يخالفون كل ما يدعو إليه من تطبيق لقيم الحرية وحقوق الإنسان.


بينما يحاضر بلير
في الديموقراطية تأتيه شيكات الحكام الطغاة
«من الغريب أن الملايين تتدفق من الكويت إلى شركات بلير، فيما تشير دلائل إلى تمويلات كبيرة من هذه الدولة النفطية الكبرى وعبرها إلى الإسلاميين المتطرفين في سوريا، الذين يهدّدون العراق حالياً»، قال الكاتب موضحاً في هذا السياق، أنه «في الوقت الذي يدور فيه بلير حول العالم محاضراً في قيم الديموقراطية، كانت الشيكات تأتي إليه من الحكام الطغاة».
ورأت صحيفة «ذي إندبندنت» في مقال آخر، أن الصراع في العراق «حوّل الأميركيين والبريطانيين الذين دخلوا إلى العراق وخرجوا منه، إلى حمقى». وأشارت إلى «تباهي» الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بـ«إنجاز المهمة» في أيار 2003 وإلى عبارة الرئيس باراك أوباما «المفعمة بالتمني» في كانون الأول 2011، حين قال: «تركنا وراءنا بلداً ذا سيادة واستقرار واعتماد على النفس».
ورغم اتهامها رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي بأنه يتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية ما يحصل، إلا أنها لفتت الانتباه إلى أنه «يدين بوصوله إلى منصبه، لصفقة شارك فيها رئيس الحكومة البريطانية الأسبق طوني بلير».
من جهته، شنّ عمدة لندن بوريس جونسون، هجوماً شرساً على بلير في مقال نشره في صحيفة «ذي تلغراف». وقال إن بلير «فقد عقله أخيراً» بإصراره على أن سبب الأزمة الحالية في العراق هو الفشل في التعامل مع الصراع السوري، وليس الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003.
وأضاف جونسون، وهو أحد أقطاب حزب «المحافظين»، أن «بلير والرئيس الأميركي جورج بوش أظهرا غطرسة لا تصدق، لاعتقادهما أن إسقاط صدام حسين لن يؤدي إلى عدم الاستقرار». ورأى أن بلير قرّر إرسال القوات البريطانية للمشاركة في صراع دموي في العراق، بهدف تحقيق «عظمة شخصية».
وقال جونسون إن الحقيقة التي يجب أن يتقبلها بلير هي «أننا دمرنا مؤسسات الدولة في العراق من دون أدنى فكرة عمّا يمكن أن يحصل لاحقاً، أي إننا قطعنا العمود الفقري من دون أي مخطط لاستبداله»، مضيفاً أنه «يجب أن يكون هناك شخص يقول لطوني بلير: اصمت، أو على الأقل تقبل واقع الكارثة التي ساعدت في تحقيقها». ووصل جونسون إلى «نتيجة مفادها أن بلير قد فقد عقله أخيراً، وأنه بحاجة بالتأكيد إلى مساعدة نفسية مهنية».
وإذ أشار إلى أن هناك حقيقة واضحة، هي أنه قبل الاجتياح الأميركي للعراق في عام 2003، لم يكن هناك وجود لـ«القاعدة» في هذا البلد، أضاف أن «صدام حسين الذي كان طاغية لا يرحم شعبه لم يكن لديه أي علاقة بهجمات 11 أيلول، ولم يكن يملك أسلحة دمار شامل».
وفي مقال بعنوان «حالة من اللوم والعار»، رأت صحيفة «ذي غارديان» أنه كان من المتوقع أن تحيي الأحداث الكارثية الأخيرة التي حصلت في العراق، الجدل حول القرار باجتياح العراق في عام 2003.
وفيما أشارت إلى أنه كان من الأجدى بالنسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق أن يقول إن جذور المشكلة الحالية في العراق تعود إلى زمن بعيد، وحتى إلى ما قبل تدخل الدول الغربية في شؤون المنطقة بطريقة منتظمة وفاعلة، إلا أنها أكدت أن هذه الدول تتحمل جزءاً من المسؤولية عمّا حصل خلال السنوات الأخيرة.
وأكدت الصحيفة أن القرار باجتياح العراق «لم يكن نابعاً من اهتمام بمحنته أو بالتهديد الذي يشكله (نظام الرئيس السابق صدام حسين) على جيرانه، بقدر ما كان مرتبطاً بحاجة الإدارة الأميركية للظهور بشكل قوي، بعد سنوات من هزيمتها التي بدأت بنجاح الثورة الإيرانية وبلغت ذروتها في هجمات 11 أيلول».
كذلك، أشارت الصحيفة إلى أن ما «يحصل في العراق حالياً هو نتيجة ضرر سببه الرئيس السابق صدام حسين ممزوج بالضرر الذي سببته العقوبات المفروضة من الولايات المتحدة وبريطانيا خلال سنوات، التي قوّضت المجتمع العراقي وجعلته على ما هو الآن». فكانت النتيجة وفق الصحيفة البريطانية، «تراجع العراق إحدى أهم دول الشرق الأوسط وأكثرها تطوراً، في ما يشبه انهياراً، إضافة إلى فقدان دولته السيطرة على مختلف أنحائها».
وخلصت الصحيفة إلى أن «المحتلين كان بإمكانهم فعل الكثير للمساعدة في معالجة أوجه القصور، بدل التسبب بها ومضاعفتها».
من جهتها، رأت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أنه على الرغم من خروج بلير من السلطة منذ أكثر من 7 سنوات، إلا أنه ما زال محفوراً في ذاكرة البريطانيين من خلال مسألة واحدة هي دعمه الراسخ للولايات المتحدة والرئيس جورج بوش في حرب العراق. ورأت أن هذا «القرار أدى إلى عزله عن أغلب أعضاء حزبه كما يستمر في مطاردته، وخصوصاً مع دخول العراق حالياً في العنف الطائفي».