ما تواجهه منطقة بئر السبع اليوم، هو عيْنه ما كانت تواجهه على الدوام منذ عام 1948: مصادرات، تجريف أراضٍ، هدم بيوت، عدم اعتراف بالقرى، تشريد للعائلات الفلسطينية البدوية. وخلافاً للوضع المتقادم المرتبط بمناطق أخرى من فلسطين، ثمّة خصوصية لقضاء بئر السبع، تتمثّل في كونه مهمّشاً وبعيداً من المركز، وغالبية سكّانه من العرب البدو. ولعلّ هذه الخصوصية هي ما جعلته عُرضة لآراء مسبقة مغلوطة على المستويَين العربي والفلسطيني، لكن ثمّة اليوم تطوّرات ومواقف ورؤًى متجدّدة، تعود لتذكّرنا بفلسطينيّة المنطقة وسكّانها... بـ«نصف فلسطين المنسيّ والمهمّش»


لم يكن يُعرف جنوب فلسطين كوحدة إدارية سياسية محدّدة على مرّ الوقت باسم «النقب»، بل وقعت أجزاء منه ضمن مناطق جغرافية مختلفة، كبلاد غزة ومنطقة الخليل وسيناء والعقبة وغيرها. وإذ لا يمكن فصل التسميات عن السياقات التاريخية والسياسية، والتي تتنوّع ما بين المحو والاستبدال والتجدّد، فما يُعرف اليوم باسم النقب هو مسمّى لمصطلح توراتي - سياسي. لا يعني ذلك أن المصطلح غير موجود عربياً، فالنقب هو الممرّ بين سلسلة الجبال، والتي تقع العديد منها وبأسماء مختلفة في جنوب فلسطين، لكنه لا يتطرّق إلى وحدة جغرافية - سياسية، بل يُعرف الجنوب محلياً وعربياً باسم «بلاد غزة» أو «ديرة بئر السبع»، فيما يُكنّى المهجّرون من الجنوب، القاطنون اليوم في الأردن مثلاً، بـ«السبعاويين» وليس بـ«النقباويين».


المنطقة أصلاً هي جزء من ثغور جنوب سوريا، وتقع إدارياً ضمن متصرّفية القدس. ومع ترسيم الحدود السياسية لفلسطين منذ بداية القرن العشرين، توسّع «جنوب فلسطين» ليشمل مناطق مختلفة كانت تقع إدارياً خارج المتصرفية، كألوية الحجاز والبلقاء، وحتى جزء صغير من مصر. كما وكانت تُعرف في بعض الدوائر المحلية والعثمانية باسم ديرة بئر السبع، إلى ما قبل تأسيس مدينة بئر السبع الجديدة في عام 1900. بعد عام 1900، أصبحت المنطقة تُعرف أكثر باسم قضاء بئر السبع أو ديرة السبع. تمّت إعادة تشكيل النقب كوحدة سياسية في السياق الصهيوني في الثلاثينيات، وبدأت دراسات ومفاوضات صهيونية - بريطانية من أجل تحديد المنطقة ومنحها للدولة اليهودية، باعتبار الصهاينة وحدَهم القادرين على «تطوير الصحراء».
تصل مساحة المنطقة المحيطة ببئر السبع إلى نحو ثلاثة ملايين دونم، تتميّز بخصوبتها، وكانت تُزرع على مدى قرون وحتى اليوم بالحبوب، منذ ما قبل بداية المشروع الصهيوني وصندوقه لـ«جعل الصحراء مزهرة»، عن طريق التهجير والاقتلاع والتجريف وإعادة التشجير. حتى مصطلح «البدو»، وعلى الرغم من ارتباطه بالبادية، فلم يكن متداولاً في الوثائق التاريخية الخاصة بالمنطقة، ولا حتى في أوساط السكّان، الذين كانوا يرون أنفسهم «عرباً»، فيما العثمانيون يسمّونهم «العربان». أمّا مصطلح «البدو» فانتشر، نقلاً عن اللغة الإنكليزية، مع بداية الاستعمار. والأهمّ من التسمية هو ما يتمّ ربطه بها من رموز وتمثّلات، من حيث الوحشية، والميل إلى الغزو والنهب، والترحال، وافتقاد الارتباط بالأرض أو تقديرها ومعرفتها وفلاحتها.

الصراع «الرسميّ» على الأرض
يعود الصراع السياسي على الأرض، والمؤطّر بشكل رسمي وقانوني، إلى ما بعد تأسيس «دولة إسرائيل»، ضمن مسألة ما عُرف بـ«تسوية الأراضي». فبعد المصادرات الإسرائيلية الضخمة للأراضي الفلسطينية الشاسعة، وبالذات في منطقة الجليل، راوغت الحكومة الإسرائيلية في الاعتراف بمُلكية أهل بئر السبع لأراضيهم، ودأبت على مطاردتهم من منطقة إلى أخرى على مرّ السنين، مقابل وعود بالتعويض عليهم. كما فعّلت سياسة «فرّق تسُد»، بتعيينها مشايخ وعزلها آخرين، من أجل ضرب العشائر بعضها ببعض. وقد تمّ تركيز السكّان البالغ عددهم حوالي 13 ألفاً من أصل 90 ألفاً تقريباً، بعد أن تمّ تهجيرهم خلال النكبة، في منطقة تُعرف بمنطقة السياج، التي رُحّلت إليها العديد من العشائر من منطقة «النقب الغربي» ووادي الشريعة بين بئر السبع وغزة، وأُخضعت للحُكم العسكري الإسرائيلي حتى عام 1966. ومنذ ذلك الحين، حاولت الحكومة حصر جميع السكّان في ثلاث بلدات حضرية، لكنّ يمكن القول بأن هذا المشروع فشل، ليتمّ حتى اليوم «تأسيس» 7 بلدات حضرية، فيما البقيّة قرًى ترفض إسرائيل الاعتراف بقانونيّتها وتحرمها أبسط الخدمات، ويصل عددها إلى نحو 45، منها 10 بدأت دولة الاحتلال مسار الاعتراف بها.
في السبعينيات، أعلنت الحكومة الإسرائيلية البدء بتسوية الأراضي التابعة للعائلات الفلسطينية البدوية في مدينة بئر السبع وتسجيلها، لكنها رفضت إنفاذ القرار في معظم الدعاوى التي قدّمها أهل النقب ما بين عامَي 1970 و1979 بخصوص مليون دونم (زراعي) ونصف مليون دونم (مراعي)، عدا عمّا صادرته إسرائيل كـ«أملاك متروكة» للاجئين السبعاويين ولعشائر مثل العزازمة أيضاً، إذ لم تعترف دولة الاحتلال، بشكل رسمي، إلّا بـ780 ألف دونم، فيما شطبت الباقي بوصفها أراضيَ صودرت مسبقاً. وهكذا، وبدل البتّ في الدعاوى والاعتراف بالمُلكية، جمّدت إسرائيل عملية التسوية، وطوّرت قانونياً ما يُعرف بـ«عقيدة النقب الميت»، والتي تقوم على اعتبار جميع الأراضي أراضيَ مُواتاً بحسب القانون العثماني، ولذا فهي «أراضي دولة»، وبالتالي أهل السبع ما هم إلّا «معتدون على أراضي الدولة». وفي المقابل، أقرّت الحكومة التعويض البسيط على المدّعين، مهدّدةً إيّاهم بخسارة قانونية كاملة ومصادرة جميع أراضيهم، وبالذات بعد أن صادقت المحكمة الإسرائيلية العليا على «عقيدة النقب الميت».
ما يجري اليوم في بئر السبع هو ما جرى في فلسطين طوال الوقت وبوتائر مختلفة


اعتمدت الحكومة الإسرائيلية والقضاء الإسرائيلي فقط على قانون الأراضي العثماني الموروث من عام 1858، والذي يتناول مسألة الأراضي الموات في مادتَين رئيسيتَين منه (6 و103)، تُقدّم كلّ منهما تعريفات تكميلية مختلفة لهذه الفئة، ما يفضي إلى تصنيف قانوني موسّع ومتداخل وغير موحّد. فالمادة 6 تصنّف تلك الأراضي باعتبارها «المحلات الخالية الواقعة بعيدة عن القرى والقصبات، بدرجة لا تُسمع بها صيحة الشخص ذي الصوت الجهير من أقصى العمران، أي التي تبعد عن أقصى العمران مسافة ميل ونصف ميل أي مقدار نصف ساعة، وهي ليست في تصرّف أحد وغير متروكة ولا مخصّصة للأهالي». وفي المقابل، تنصّ المادة 103 على أن «مَن يحيي الأرض الموات له الحقّ بها». لكنّ القانون البريطاني منع ذلك، وطلب الموافقة المسبقة لإحياء الأرض، وإعطاء فرصة شهرين لمن يدّعي حقوقاً في الأرض المُوات لأن يقوم بتسجيلها.
أعادت الحكومة الإسرائيلية تفسير القوانين بشكل يتوافق ورؤيتها الهادفة لعدم الاعتراف بالملكية، وأهمّ ما ساقته في هذا الإطار أن القرية البدوية ليست نقطة قياس شرعية، وأن أي «قرية عصرية» يجب أن تكون قائمة منذ عام 1858، بالإضافة إلى أن الفرصة الأخيرة لتسجيل الأرض كانت سنة 1921، وليس على «البدو إلّا أن يلوموا أنفسهم» لعدم تسجيلها. سيطرت «عقيدة النقب الميت» على التعامل القضائي والرسمي بعدم الاعتراف بمئات الملفّات في بئر السبع. لكن، في ظلّ كلّ ذلك، حاولت الحكومات الإسرائيلية المتتالية الضغط على المدّعين وترغيبهم وترهيبهم من أجل قبول تعويض بسيط والتنازل عن الدعوى، لكنها فشلت وحلّت أقل من 20% من الدعاوى على مدى عشرات السنين وتحت تهديد الطرد والهدم. ومن ثمّ بدأت بدعاوى مضادّة ضدّ السكّان في المحاكم، مدّعية أن الأرض هي «أرض مُوات» بحسب القانون العثماني، وأن زارعيها هم «معتدون على أراضي الدولة».


أراضي الأطرش وسعوة
ما جرى من مواجهات في الأسابيع الأخيرة تَركّز في قرية سعوة، وفي أراضي عائلة الأطرش بشكل خاص. وجاءت هبّة أهالي سعوة بعد هبّات عديدة أخرى سبقتها، مثلاً في قرية العراقيب، وطويّل أبو جرول، وبير هدّاج، وأم الحيران وغيرها. أمّا ما حرّك الأحداث فهو عمليات تشجير من قِبَل «الصندوق القومي اليهودي»، بتفويض من «سلطة أراضي إسرائيل»، جاهدةً ل«حراسة وحماية الأرض»، وذلك فعلياً من أصحابها الذين سكنوها مئات السنين وفلحوها وقاموا برعي ماشيتهم فيها لعقود، منذ ما قبل تأسيس «دولة إسرائيل». بالأساس، مذكّرة التسوية الرقم 989 (دعوى مُلكية) التي قدّمها الجدّ سليمان الأطرش في السبعينيات، هي واحدة من آلاف دعاوى المُلكية التي قدّمها أهالي بئر السبع. وفي حالة عائلة الأطرش، لم تبتّ إسرائيل في الدعاوى، كما لم تبتّ في آلاف غيرها حتى اليوم. وعلى الرغم من مجهود العائلة القانوني لمنع الاعتداء على الأرض حتى يتمّ تسجيلها، فإنها فشلت في ذلك؛ إذ تتعامل إسرائيل مع تلك الأراضي وكأنها خاصّتها، وتقود عملية تجريف مساحات شاسعة من المزروعات، واقتلاع أشجار الزيتون، وغرْس أشجار بديلة مكانها.
ولشرعنة نشاطها هذا، تُنكر إسرائيل فعل المصادرة. فمِن منظورها، هذه الأراضي هي «أرض مُوات»، أي أنها ليست بحوزة أحد، ولا يزرعها أيّ شخص، ولا حق لكائن فيها غير الدولة. وترى في مَن سكنها مئات السنين مجرّد عابري سبيل رُحّلاً مرّوا من هناك، أو ربّما زرعوها لكنهم كانوا مخالفين للقانون مُعتدين. أمّا الحقيقة، فهي أن العشائر البدوية سكنت ديرة بئر السبع وبلاد غزة لمئات السنين، وبلغ عدد أفرادها عشرات الآلاف. وكانت تفلح وتزرع وترعى الغنم وتتاجر وتتجوّل وتؤسّس علاقات اجتماعية وتجارية مع غزة والخليل وحُج والعريش والعقبة وسيناء ومدن وقرى وعشائر مختلفة.
أراض موات وصحراء قاحلة؟
في أقلّ تقدير، وحتى بحسب التقارير السرّية للجمعيات الصهيونية، فقد فلحت العشائر البدوية العربية في بئر السبع ما بين 2.5 و 3.5 ملايين دونم، غالبيتها من الشعير والقمح والبطيخ والذُّرة والأشجار. اشتُهر شعير جنوب فلسطين بجودته، وكان يتمّ تصدير أغلبه إلى أوروبا، وخصوصاً بريطانيا، أحيانا عبر نحو 40 سفينة يومياً، منذ نهاية القرن التاسع عشر. ووصلت تقديرات صادرات الشعير مثلاً، حتى الحرب العالمية الأولى، إلى 60 ألف طنّ، في ما لا تستطيع الكيبوتسات والمشاريع الزراعية الإسرائيلية مضاهاته حتى اليوم. هي إذاً أراضٍ سكنتها العائلات، عرفت حدودها، باعتها واشترتها، وورِثتها وورّثتها لِمَن بعدها، أرهنتها، دفعت ضرائبها أو لم تدفعها، وكلّها لها أسماء وتاريخ وتضاريس. هي أراضي العشائر والعائلات بالفطرة وبالحق وبالقانون أيضاً، حيث ينصّ القانون العثماني على أن مَن يفلح الأرض عشر سنوات له الحقّ فيها، ومن يُحيي الأرض المُوات ـــــ أي يزرعها ـــــ له الحق فيها أيضاً. حاول العثمانيون، على الأقلّ منذ سنة 1891، وبحسب قرار مجلس الشورى العثماني، تسجيل ما قدّروه بخمسة ملايين دونم عثماني للعشائر البدوية. وقدّر البريطانيون، في آخر تقرير رسمي لهم قبل مغادرة فلسطين، أنه إذا ما وصلت عملية تسوية الأراضي قضاء بئر السبع فإنه سيتمّ تسجيل مليوني دونم على الأقلّ باسم أصحابها العرب.
سكنت العشائر البدوية ديرة بئر السبع وبلاد غزة لمئات السنين، وبلغ عدد أفرادها عشرات الآلاف


أحصى تقرير سرّي لهخشرات هييشوف، سنة 1919، المساحات والأراضي التابعة لكلّ عشيرة - سواءً المزروعة أو مساحات الرعي -، وعدد رؤوس الغنم ونوع الزراعة، والعائلات ومشايخها. وفي سنوات الثلاثينيات، عندما بدأ «الصندوق القومي اليهودي» يولي اهتماماً لقضاء بئر السبع، شرع في توسيع عملية شراء الأراضي من أصحابها الذين يحملون السندات القانونية، وفي حال لم تتوافر لديهم هذه السندات، يتمّ التوجّه إلى مكتب تسجيل الطابو في غزة وبئر السبع لتسجيلها ومن ثمّ بيعها. وصلت المساحات التي اشتراها الصندوق وغيره من الأفراد والمؤسسات اليهودية والصهيونية إلى نحو 100 ألف دونم إلى ما قبل 1948. وفي سنة 1952، أسّس وزير القضاء الإسرائيلي لجنة للنظر في مسألة مُلكية الأراضي لبدو النقب، كان من بين أعضائها الثلاثة يوسف فايتس، مدير قسم الأراضي والتحريش في الصندوق، والمشهور بدوره في سياسة هدم القرى الفلسطينية والترانسفير. خلُصت اللجنة، في تقريرها المختصر السرّي في 20 تشرين الأوّل 1952، بشأن الأراضي المفلوحة والمزروعة لبدو النقب الذين بقوا «داخل إسرائيل» إلى ما يلي: «فالحقيقة المعروفة أنه خلال حقبة الانتداب، سُجّلت مساحات شاسعة من الأراضي باسم البدو، على أساس الدليل القائل إنهم كانوا يزرعون تلك الأراضي طيلة فترة التقادم، ونُقلت ملكية مساحة معتبرة من هذه الأراضي، بعد تسجيلها، إلى الصندوق القومي [اليهودي]، وإلى شركات يهودية أخرى وإلى أفراد يهود. ولذلك، تنطوي هذه المسألة على المئات من السوابق، ونحن نرى أن حكومة إسرائيل لا تستطيع أن تتجاهلها، وينبغي لها ألا تتجاهلها... فمن الممكن تماماً أن البدو يملكون الدليل الذي يثبت حيازتهم لمساحات كبيرة أخرى... وفي نتيجة نقاشنا، توصلنا إلى النتيجة التالية: (‌أ) نرى أن ينبغي للمرء ألّا يتحاشى الاعتراف بحقوق البدو في ملكية تلك الأراضي التي يستطيعون أن يقيموا الدليل على أنهم كانوا يتعهّدونها بالزراعة على مدى فترة طويلة (فترة التقادم)».

موجة الاستيطان الثالثة
«جعْل الصحراء مزهرة»، «جعل فلسطين مزهرة»، «تطوير النقب»، أو «سلطة القانون»... كلّها ذرائع تاريخية مستمرّة لشرعنة المجهود الصهيوني في تهويد فلسطين. وما يواجهه النقب في العقدَين الأخيرين بشكل خاص، هو موجة جديدة من التهويد، من حيث تأسيس البلدات اليهودية الجديدة، الاستيطان فيها، التجريف، المصادرة، وأيضاً هدم البيوت بوتيرة عالية جداً، تفوق حتى ما يجري في الضفة الغربية والقدس الشرقية بأضعاف، ضمن سباق مع الزمن. صحيح أن إسرائيل لم تقرّر في آلاف الدعاوى، ولكنّها أيضاً لا تستطيع الانتظار لحلّها أو تقديم دعاوى مضادّة لها، بالنظر إلى أن العائلات الفلسطينية تستمرّ في التكاثر والزراعة. والجدير ذكره، هنا، أن سياسة إعادة التشجير لا يتمّ تنفيذها حتى بحسب المعايير الإدارية القانونية الإسرائيلية بما يشمل التخطيط والبناء، فيما يوصف الفلسطينيون، في كلّ الحلقات الرسمية، بأنهم «عائق أمام التطوير»، أي أمام مشروع التهويد الصهيوني. وتدّعي «سلطة أراضي إسرائيل»، أمام المحكمة، أنها لا تستطيع السماح لمن ادّعى المُلكية من العرب، أن يستمرّ في حيازة الأرض وزراعتها، لأن هذا سيعيق بشكل جدّي مشاريع البنية التحتية وإقامة المستوطنات في النقب، على الرغم من أن القانون الإسرائيلي نفسه يمنع حقّ حيازة الأرض بالتقادم، كون «الكنيست» عمد إلى تغيير قانون التقادم مراراً لمنع العائلات الفلسطينية من اكتساب حقوق المُلكية في الأراضي.
ما يجري اليوم في بئر السبع هو ما جرى في فلسطين طوال الوقت وبوتائر مختلفة، من الجليل والساحل، إلى وسط الضفة وشرق القدس، إلى جنوب فلسطين... والقائمة تطول. لكنّ الفارق الآن أن الحكومة الإسرائيلية باتت تلعب على المكشوف، معتبرة أنها ليست بحاجة إلى مفاوضات أو إرضاء بعض المشايخ. لكنّ السياسيين الإسرائيليين الذين يتوجّهون إلى المنطقة ليزرعوا الشتلات تحت حراسة مئات عناصر الشرطة والسلاح والآليات العسكرية والآليات الثقيلة التي اعتقلت الأطفال الفلسطينيين البدو هناك، الأطفال الذين يعرفون تراب سعوة وخشم زّنة والعراقيب ووادي النعم وكلّ ديرة بئر السبع، حقّ المعرفة، أكثر مما يطرحه القانون الإسرائيلي وخرائط «الصندوق القومي اليهودي».
* باحث فلسطيني