ريف دمشق | إلى جانب الأسرى من المعارضة المسلّحة، يقبع في السجون السورية نزلاء من «أصناف» مختلفة، بعضهم من معتقلي الرأي والسياسيين، بالإضافة إلى أضعاف هؤلاء من المعتقلين المدنيين ممن دخلوا إلى السجون عن طريق «الخطأ»، الذي كثيراً ما بات يقع ضمن ملابسات الحرب القائمة.

في العديد من المناطق المتوترة في ريف دمشق، الشبهات وحدها قد تدفع إلى الاعتقال: الكنية، البطاقة الشخصية المكسورة، الانتماء المناطقي، التقارير أو الوشايات الكاذبة، وغيرها من التفاصيل، تعدّ أسباباً كافية لاعتقال شخص ما.

بعض المعتقلين لا تدوم مدّة اعتقالهم أكثر من ساعات، فيما البعض الآخر قد يمضي شهوراً، فطريقة تعاطي الجهة التي تنفّذ الاعتقال تقوم بدور كبير في ذلك. يروي علي الناصر (اسم مستعار)، وهو أحد العمال في المنطقة الصناعية في ريف دمشق الجنوبي، قصة اعتقاله 6 مرات، والتي كان أطولها بضعة أيام: «في معظم المرات، كانت كنيتي هي سبب توقيفي. فلديّ أقارب من المسلّحين، وبالرغم من أن اسمي ليس موجوداً في قوائم التوقيف، إلا أنّ وجود الكنية في القوائم يسبب اعتقالي عند كل حاجز جديد». يبتسم علي مضيفاً: «كل الحواجز حول المنطقة الصناعية باتت تعرفني. في المرات الأربع الأخيرة، كان عناصر الحواجز الأخرى يتدخلون لإطلاق سراحي من الحاجز الذي أوقفني». إلا أن العديد من زملاء علي لم يسعفهم حظّهم بالفكاك من التوقيف، «فمن تأخر ذووه بإخراجه قبل نقله إلى الفروع الرئيسية، تقلّ حظوظ إطلاق سراحه بنحو كبير. فمجرّد الانتقال إلى هناك يعني أن التهمة ثبتت، وأن لا فكاك من السجن والمحاكمة».


اعتقل علي الناصر 6 مرات بسبب كنيته رغم غياب اسمه عن قوائم التوقيف

في الأشهر الماضية، برزت قضية المعتقلين كبند رئيسي في المصالحات المختلفة التي جرت في ريف دمشق. ويقول الناشط في شؤون المصالحة في بلدة التل (شمالي دمشق) شريف هريس لـ«الأخبار»: «تقدّم لجان المصالحة قوائم بالمعتقلين للأجهزة المختصة، وغالباً ما كان يتم الإفراج عن أكثر من 90% منهم، بينما تمتنع الأجهزة عن إطلاق سراح بعض الأشخاص الذين تتوفر أدلة تثبت تورطهم بجرائم كبيرة، كالقتل أو الاتصال مع استخبارات خارجية». ويتساءل شريف مبدياً استغرابه: «في فترة ما قبل التسوية، كيف كان يعامل الأشخاص الأبرياء على قدم المساواة مع القتلة؟! ولماذا يحتاج حل هذه المشكلة إلى جهود جبارة من الأهالي وتدخل من قيادات الدولة والقوى السياسية لحلّها؟».
لم تجد مشكلة المعتقلين طريقها إلى الحل، رغم صدور العديد من مراسيم العفو العام عن مرتكبي الجرائم والجنايات والمخالفات منذ بداية الأزمة السورية. يقول المحامي معاذ سلوطة، المتخصّص في قضايا الدفاع في محكمة الإرهاب، لـ«الأخبار»: «طرق التوقيف الاعتباطية كانت تُبطل مفعول أي مرسوم بالعفو. ففي الوقت الذي نعمل فيه على إطلاق عدد من الموقوفين يردنا عدد أكبر من القضايا المشابهة». ويضيف: «معظم قضايا محكمتنا من النوع البسيط وتنتهي بالمثول أمام القاضي، كالاعتقال بسبب تشابه الأسماء أو ضياع الهوية الشخصية أو الادعاء من جهات غير موثوقة ودون تقديم أدلة». إلا أنّ المشكلة الأكبر هي قبل المحاكمات «حيث يجري أحياناً توقيف الأشخاص مدة تقارب أربعين يوماً أو أكثر». وما زاد الطين بلّة هو «فساد بعض موظفي المحكمة الذين يتلاعبون في مواعيد المحاكمات، فيجري تقديم موعد محاكمة ما على حساب أخرى بسبب الوساطة أو تقديم الرُشى للموظفين».
ويرى بعض المختصين أنّ مرسوم العفو العام الأخير، رقم 22 لعام 2014، الذي صدر في التاسع من الشهر الجاري، لامس بعمق ملف المعتقلين الشائك، ويصف القاضي لؤي عمش مرسوم العفو هذا بأنه «الأشمل في تاريخ الجمهورية العربية السورية»، فهو لم يستثنِ في نصّه إلا تلك التهم التي «لا يقبل الشعب السوري المسامحة عليها: كالتجسّس والخيانة العظمى، بالإضافة إلى بعض التهم الأخلاقية الشديدة التي تتصل بالشذوذ ومخالفة الطبيعة». ويشمل المرسوم «العسكريين الفارين فراراً داخلياً وخارجياً، والأجانب الذين قدموا إلى سوريا لتنفيذ أعمال إرهابية، على أن يسلّموا أنفسهم إلى السلطات العامة في مدّة لا تتجاوز الشهر من تاريخ صدور المرسوم». بينما يؤكّد المحامي العام في ريف دمشق أحمد السيد أن وزارة العدل «تعد القوائم بأسماء الأشخاص التي شملها المرسوم وترسل بها إلى السجون ودور التوقيف ليتم إطلاق سراحهم». وحتّى الآن أطلق سراح 274 نزيلاً من سجن دمشق المركزي، في إطار هذا المرسوم.
في المقابل، يرى البعض أن المرسوم لا يزال غامضاً في بعض جوانبه، ولا سيما في ما يتصل بملف الموقوفين لدى الأفرع الأمنية، ممن لم يجرِ نقلهم إلى المحاكم أو السجون، «فطريقة التنفيذ هي الأهم»، يقول والد أحد المعتقلين. ويضيف: «منذ أن تم توقيف ابني قبل نحو أسبوعين، لم نعلم عن مكان وجوده في ما بعد، وتجدد أملنا بخروجه مع صدور العفو، إلا أننا لن نستطيع العمل على شمله بالعفو طالما أننا نجهل مكان وجوده».