تلبيسة | الرهبة تحكم المشهد أمام المتاريس الدفاعية المتقدمة التي أنشأها الجيش السوري على تخوم بلدة تلبيسة في ريف حمص الشمالي. علم «الثورة» ذو النجوم الثلاث يرفرف من بعيد أمام أعين عناصر الجيش السوري الراصدة، عبر المناظير، أي تحرك في الجهة المقابلة.


على حاجز ملوك، الموجود قرب شركة «ملوك التجارية» جنوبي غربي تلبيسة، يقف مقاتلون يتبادل السوريون أخبارهم من بعيد. فالحاجز المكوّن من بضعة عسكريين يشكّل الحصن الرئيسي في مواجهة محاولات تقدم مسلحي المعارضة المزوّدين بدبابات وبأسلحة ثقيلة، والباحثين عن وسائل جديدة لإشغال الجيش عن ضرب مواقعهم في المناطق التي سيطروا عليها خلال السنوات الثلاث الماضية. عناصر الحاجز يخوضون معارك يومية على النقطة العسكرية المذكورة، تغطّيهم عسكرياً مدفعية الجيش وسلاح الجو، إضافة إلى المتابعة الدائمة من القيادة العسكرية التي تمدّهم دورياً بالتعزيزات اللازمة منعاً لسقوط الحاجز وحصول المعارضة على نقطة تفوّق في المنطقة المتوترة.
هذا ما يبرّر صمود الجنود أشهراً طويلة في وجه المدّ المسلّح الذي يسيطر على القرى والبلدات المجاورة، التي تعتبر بلدتا الرستن وتلبيسة أكثرها حصانة.
حماية الحاجز تعتبر هاجس العسكريين الأول في المنطقة بعد سقوط تلة أم شرشوح الاستراتيجية القريبة (غربي تلبيسة)، أمس، في أيدي مسلحي المعارضة، ما شكّل صدمة أثرت سلباً في معنويات الجنود وأهالي القرى المجاورة.
في قرية النجمة التي تبعد عن بلدة تلبيسة ما يزيد على كلم جنوباً، يرابط عناصر الجيش السوري، مشكّلين قوات ردع لتقدم مسلحي «جبهة النصرة» جنوباً، في حين يستميت المسلحون لخرق طوق حصارهم. يشير أحد العسكريين في القرية باتجاه الشرق، حيث تقع قرية الأشرفية. «يقطن في قريتي النجمة والأشرفية مدنيون موالون للدولة. يحتمي الأهالي بمواقع الجيش في المنطقة، لصدّ محاولات التسلل اليومية»، يقول أحد الضباط. ويضيف: «تنطلق القذائف والصواريخ يومياً على القرى المترامية على حدود تلبيسة».


سقوط البلدة
أثر سلباً في معنويات الجنود وأهالي
القرى المجاورة

المفاوضات غير المباشرة التي تؤذن بين الحين والآخر باحتمال حصول تسوية سياسية تتحكم في هدوء المنطقة أو توترها. يضغط الجيش على المسلحين في بعض الجبهات، بهدف انتزاع تسوية سياسية وفق شروط الدولة. يظهر طريق الكورنيش ضمن بلدة تلبيسة بوضوح. يعرف عناصر الجيش جيداً أن هذا الطريق المواجه لهم مباشرة هو أكثر خطوط تحرك المسلحين داخل البلدة.
حول مسجد تلبيسة تُرصد تحركات مشبوهة لمسلحين في منطقة خالية من المدنيين باعتبارها خط تماس ساخناً. ثلاثة متاريس ترابية متتالية من التراب الأحمر الذي يميّز أراضي هذه المنطقة، تتوسطها مساحات ذهبية من سهول القمح غير الموحية بشراسة الحرب المحيطة.
عبر المنظار يمكن رؤية قلعة تلبيسة على التلة الشهيرة التي سمّيت البلدة باسمها. يشير أحد الجنود بإصبعه باتجاه القلعة وخزان المياه قربها، ويقول: «تخرج الصواريخ من منطقة القلعة ومبنى الكويتي غربي البلدة، لتضرب الأحياء داخل مدينة حمص». ويضيف: «إلى هذه المناطق وصل مسلّحو حمص القديمة، بعدما عبروا خط الدار الكبيرة نحو دير معلة ووصل بعضهم تلبيسة». لا يشكّل 2000 من المسلحين المهزومين خطراً كبيراً على قوات الجيش في المنطقة، إذ إن «العدد غير مخيف»، حسب أحد العسكريين، «في مساحات زراعية مترامية في الريف الشمالي». التقدم الأخير في قرية أم شرشوح وحده «يشدّ عصب» العسكريين، ويشعرهم بجدّية مسلحي الجوار لفكّ الحصار عن البلدات المعارضة، ما يتطلب شراسة أكبر في الرد المدفعي واستهداف سلاح الجو لمواقعهم.
أقواس أثرية تلوح من بعيد في قرية الغنطو التي تشهد أطرافها أعنف الاشتباكات، باعتبارها محاذية لسهل الحولة الذي يسيطر عليه المسلحون، في حين يظهر حيّ الوعر الحمصي امتداداً بعيداً في أقصى الجنوب لخط الغنطو ــ تيرمعلة، وصولاً إلى الدار الكبيرة الأقرب إلى الحي الحمصي المحاصر. أما أقصى الشمال، فيلوح جبل زين العابدين، المسمّى باسم المقام الشهير، والذي يتبع إدارياً لمحافظة حماه. وتمتد من حوله سلسلة جبال تكشف بلدة الرستن وبقية البلدات «المتمردة». يقسّم أحد الجنود مناطق السيطرة تبعاً لطريق حماه، فيقول: «نسيطر على جميع القرى شرق الأوتوستراد، فيما يتمركز المسلحون في قرى الريف الواقعة غربي الأوتوستراد بدءاً من قرية الدار الكبيرة». كلام الجندي يبرّر خط سير الرحلة نحو مشارف تلبيسة عبر سلوك طرق القرى الآمنة، وأبرزها الجابرية والمختارية. ويبرّر ذلك أيضاً صور الشهداء الكثيرة التي تملأ طرق هذه القرى ومفارقها.
سقوط أم شرشوح
سقوط أم شرشوح أمس لم يكن سهلاً، بعد أشهر من الصمود وتغنّي أهالي القرى المحيطة الآمنة ببطولات المقاتلين السوريين الصامدين على جبهة جبورين ــــ أم شرشوح. المنطقة الممتدة على الأطراف الغربية لبلدة تلبيسة سقطت أخيراً في يد «جبهة النصرة»، بعد محاولات عدّة لإحداث خرق عسكري في الطوق المفروض على مسلحي الريف الشمالي. التخوّف الرئيسي على قرية جبورين المتاخمة لأم شرشوح، إذ إن أهاليها وجدوا أنفسهم على تماس مباشر مع المدّ المسلّح باتجاه قريتهم. عناصر «المقاومة الشعبية» بالاشتراك مع الجيش السوري يقاتلون على أطراف القرية المذكورة، بهدف إيقاف تقدّم مسلحي المعارضة. مصدر ميداني أكد لـ«الأخبار» أنّ الهجوم بدأ على أول حواجز الجيش الدفاعية في قرية أم شرشوح، بالتزامن مع قصف الحاجز بقذائف الهاون. نتيجة الهجوم خطف جنود للجيش من الحاجز، تلاه تفجير سيارة مفخخة قرب عناصره الجيش على الحاجز المذكور، ما أدى إلى انسحاب القوات السورية تدريجياً من القرية. وكان سبق سقوط الحاجز مع ساعات الفجر الأولى إخلاء المدنيين من قرية أم شرشوح، قبيل استباحتها من قبل مسلحي المعارضة. وأكد المصدر استشهاد عشرات الجنود السوريين خلال الاشتباكات المتواصلة منذ أول من أمس.