تونس | اعتاد التونسيون أن لا يكمل رؤساء «ما بعد الثورة» عُهدتهم، بالطاقم الذي انطلقوا معه. وكثيراً ما شهدت هذه الدواوين انشقاقات واستقالات بلغت حدّ التقاضي أمام المحاكم، ثمّ تكوين أحزاب مناهضة للرئيس، وهو ما حصل مع الرئيسَين المنصف المرزوقي والباجي قائد السبسي. ولكنّ استقالة مديرة الديوان الرئاسي، نادية عكاشة، جاءت في ظرف سياسي استثنائي، جعلتها حديث البلاد على امتداد الأيام الماضية. ويُعدّ منصب مدير الديوان الرئاسي، منصباً إدارياً يتولّى مَن يشغله وضْع أجندة الرئيس وضبْط أنشطته والاهتمام بموظّفي القصر ورواده، لكنه أضحى منصباً سياسياً بامتياز بعد انتفاضة 2011، بتخصيصه - على النهج الأميركي - للشخصية الثانية في الحزب الفائز بالرئاسة. ومع وصول الرئيس قيس سعيد، القادم من خارج دائرة الأحزاب، إلى سدّة الرئاسة، ضمّ ديوانه مجموعة من الشخصيات التي تربطه بها صداقة أو من محيطه الجامعي، وفي مجملها لم يكن لها اطّلاع يُذكر على الساحة السياسية، ما صعّب التوافقات والمفاوضات مع الأحزاب في أكثر من مناسبة. وسجّل القصر الرئاسي، في عهد سعيد، ثلاث عشرة استقالة من الديوان، لتكون أحدثها - وربّما ليست الأخيرة -، استقالة الرقم الثاني في نظام سعيد، وأقرب مستشاريه إليه، نادية عكاشة.

لم يُعرَف عن عكاشة تميُّزٌ بملَكة معيّنة؛ فلا هي بالخطيبة ولا الفصيحة، كما لم تكن من الباحثين المعروفين في القانون - وهي الأستاذة الجامعية في هذه المادّة -، ولا حضور سياسي معلوم، باستثناء استشارة يتيمة لفائدة حزب «نداء تونس» سابقاً. ولكنها، بعد أن تسلّمت منصب مدير الديوان خلَفاً لعبد الرؤوف الطبيب الذي استقال من منصبه واتّهمه المقربون من الرئيس بأنه كان رجل «النهضة» في القصر، تحوّلت إلى رقم صعب نظراً إلى قربها من الرئيس وحضورها في كلّ خطوات تنفيذ مشروعه. يتساءل التونسيون اليوم، مؤيّدين ومعارضين على السواء، عمّا إذا كانت استقالة عكاشة علامة على بداية تفكُّك البناء الداخلي لقصر سعيد، واحتمال عودة البلاد من جديد إلى دائرة تنازُع السلطة بين عائلة الرئيس والمحيطين به، فيما بدت لافتةً طريقة تعاطي «النهضة» وحلفائها السابقين في الحُكم، مع هذا التطوّر.

مغادرة الرقم الثاني في نظام سعيد تعني فعلياً أنه لا استقرار ولا تعامُل يليق بدولة


انطلقت معاداة «النهضة» للمديرة المستقيلة منذ أن كانت مستشارة لدى سعيد أشهراً بعد انتخابه رئيساً للبلاد؛ ومردّ ذلك أنه في حين نجحت الحركة في ربط علاقات مع المحيطين بسعيد داخل القصر، لم تكن عكاشة والمستشارة الإعلامية السابقة، رشيدة النيفر، من الشخصيات التي يَسهل استقطابها أو بناء توافقات معها، الأمر الذي جعلهما في مرمى الانتقادات والهجمات الافتراضية. وما يربط المستشارتَين بسعيد أكبر ممّا يربط غيرهما من الموجودين في الديوان بالرئيس؛ فالأولى كانت طالبة لديه، والثانية رفيقة دربه في عقود التدريس وفي العمل في الحقل العام بعد الانتفاضة، بل إن كثيرين يجزمون أن فكرة انخراط سعيد في الشأن العام تعود إلى النيفر، التي لم تدّخر جهداً لتقديمه للصحافة و«المجتمع المدني».
أشيعت عن المديرة المستقيلة أخبار وإشاعات كثيرة، من بينها اتّهامها من قِبَل نواب «ائتلاف الكرامة» المتحالف مع «النهضة» بإدارة شبكات رشاوى وانتفاع من المال العام، والجاسوسية والعمالة لفرنسا ثمّ لمصر في رواية ثانية. كما أُشيع عنها تدبيرها مع المخابرات الأجنبية كامل سيناريو قرارات 25 تموز الماضي وما جاء بعدها. في المقابل، استفادت هي من تلك الحملات التي استهدفتها في بناء صورة عن كونها «المرأة الحديدية» في نظام سعيد، حيث يوجّه إليها كثيرون مِمَّن احتكّوا بها من الديموقراطيين ورموز «المجتمع المدني» اتهامات بأنها تقف وراء كلّ الأساليب غير الديموقراطية التي تُستعمل ضدّ منتقدي الرئيس، ومن بينها تكوين «جيش إلكتروني» مهمّته التشويه والتحريض والضغط على المخالفين في الرأي، فضلاً عن الدفْع نحو القطيعة مع «الاتحاد العام التونسي للشغل» وبقيّة المنظّمات الوطنية التي كانت مساندة لمسار 25 تموز، ثمّ انفضّت مِن حوله.
بناءً على ما تَقدّم، يغدو مفهوماً أن تثير استقالة عكاشة كلّ هذا اللغط والتأويلات، فيما لم تَدُم «بطولتها» في الاستقالة من القصر، نظراً إلى «خلافات جوهرية حول المصلحة الفضلى للوطن»، كما ذكرت في نصّها، أكثر من سويعات، بعد أن كشفت الجريدة الرسمية أنه وقَعت إقالتها وإنهاء خدماتها، قبل أن تستقيل. وأيّاً تكن حقيقة الأمر، فإن مغادرة الرقم الثاني في نظام سعيد تعني فعلياً أنه لا استقرار ولا تعامل يليق بدولة في قصر قرطاج، وأن البلاد تُضيّع، يوماً بعد يوم، فرصة الإصلاح التي خُيّل لبعض التونسيين أنها صارت ممكنة بعد إجراءات 25 تموز، في ظلّ الإصرار على المقاربات الفردية غير المعلومة، وأن البلاد، وإن لم تَعُد رهينة المحاصصات والتنفّع كما كانت مع «النهضة» وحلفائها، فقد أضحت رهينة الارتجال والمزاجية في ظرف بالغ الصعوبة.