رغم حقيقة التعارض بين ما تطمح إليه إسرائيل، والموقف الأميركي والأوروبي في التعامل مع الحكومة الفلسطينية الجديدة، فإن الحقيقة الموازية لهذا التباين تتمثل في وجود مصلحة إسرائيلية فعلية هدفها استمرار الاحتضان الأميركي للسلطة. المصلحة نفسها ظهرت في سقف الردود الإسرائيلية التي أكدت ضرورة ألا تمس الخطوات العقابية التي ستتخذها تل أبيب التنسيق الأمني مع أجهزة السلطة، وهو أمر تحتاج إليه إسرائيل أكثر من حاجة الفلسطينيين إليه، إن وجدت.

تحت سقف المصالح العبرية السابقة، تندرج مطالبة حكومة بنيامين نتنياهو، الطرفين الأميركي والأوروبي، بضرورة مقاطعة ومعاقبة السلطة على قرار المصالحة بين «فتح» و«حماس» خاصة من دون انتزاع تنازلات من الأخيرة تتصل بالموقف من إسرائيل والاتفاقات المعقودة معها.

لكن إخفاق حكومة نتنياهو في الترويج لموقف مقاطعة الحكومة الفلسطينية لم يمنعها عن خطوات هي أقرب إلى التوظيف أكثر من الرد، فقد أتى الإعلان الإسرائيلي عن المضي في إجراءات التخطيط وبناء مئات الوحدات الاستيطانية، ترجمةً لسياسة استيطانية قديمة ـــ جديدة، مبنية على خطوات «مدروسة وهادفة». وتحاول خلال تقديم إسرائيل كأنها في موقع رد الفعل لا الاعتداء الابتدائي، ومن أجل تحقيق الأولوية الإسرائيلية التي تبنتها كل الحكومات السابقة لجهة استمرار وتوسيع دائرة تهويد الضفة والقدس المحتلتين.
على هذه الخلفية، وتحت غطاء ردود الفعل على المصالحة الفلسطينية، قرر نتنياهو المضي في خططه لبناء 1800 وحدة سكنية في مستوطنات القدس والضفة، لتنضم هذه الخطط إلى إعلان وزير الإسكان الإسرائيلي، أوري أريئيل، مناقصات لبناء 1500 وحدة سكنية في تلك المستوطنات. الخطوة الإسرائيلية استدرجت عدداً من ردود الفعل الأوروبية والأميركية التي عبرت عن «خيبة أملها». وصرح السفير الأميركي في تل أبيب، دان شابيرو، لإذاعة الجيش الإسرائيلي بأن واشنطن «تعترض على البناء في المستوطنات والإعلان عن خطوات من هذا النوع».
في تعبير إضافي عن جهوزية هذه الخطط الاستيطانية بانتظار الظرف الملائم، وفق الرؤية الإسرائيلية، كشفت جهات عبرية مطلعة على خطة البناء الجديدة أن «الحديث يدور عن الدفعة الرابعة من البناء في الضفة التي جرى التخطيط لإخراجها إلى حيز التنفيذ بموازاة الدفعة الرابعة والأخيرة من الأسرى الفلسطينيين، لكن الإفراج عن الدفعة لم يجر في ذلك الوقت». أما الآن، فوجدت إسرائيل في التطورات الفلسطينية مناسبة لتنفيذ خططها. وأكدت الجهات نفسها أنه بموازاة هذه المخططات ستبدأ عملية تخطيط مشاريع بناء استيطانية أخرى في الكتل الاستيطانية التي تجمع التيارات السياسية الإسرائيلية على ضمها إلى إسرائيل في أي تسوية مستقبلية.
وتأتي القرارات الاستيطانية بعدما فوَّض المجلس الوزاري المصغر، الاثنين الماضي، فرض عقوبات إضافية على السلطة، إضافة إلى منع إجراء مفاوضات مع الحكومة الجديدة، وتحميل الرئيس الفلسطيني محمود عباس مسؤولية أي هجوم تتعرض له إسرائيل انطلاقاً من الضفة أو غزة، بما في ذلك إطلاق الصواريخ.
من أبرز ردود الفعل الإسرائيلية، على الإعلان الاستيطاني، موقف وزيرة القضاء ومسؤولة المفاوضات، تسيبي ليفني، التي انتقدت قرار نتنياهو، واصفة إياه بأنه «يشكل عقوبة للإسرائيليين، لا للفلسطينيين»، وشددت على أن الخطوة الإسرائيلية «غير صحيحة وستجعل من الصعب علينا تجنيد الرأي العام العالمي ضد حماس»، وفق ما نقلت عنها صحيفة «هآرتس». كما اعتبرت ليفني أن وجود حزب البيت اليهودي اليميني المتطرف في الحكومة «يجعل الإسرائيليين يدفعون الثمن أكثر من وجود حماس في الحكومة الفلسطينية».
في ما يتعلق بالانتقاد الإسرائيلي تجاه الموقف الأميركي من التعامل مع الحكومة الفلسطينية، أوضحت نائبة المتحدث باسم الخارجية الأميركية، ماري هارف، أن الحكومة الجديدة «لا تضم عناصر من حماس»، وأنها «مؤقتة ومؤلفة من شخصيات غير حزبية، ووظيفتها الإعداد للانتخابات». ولفتت هارف إلى أن رئيس هذه الحكومة ونائبيه ووزير المال كانوا في الحكومة السابقة في رام الله. في السياق نفسه، رفض السفير الأميركي شابيرو، الانتقادات الإسرائيلية الموجهة إلى القرار الأميركي، مكرراً المواقف التي أوردتها هارف. لكنه أضاف: «هناك تطابق في المواقف الإسرائيلية والأميركية في ما يتعلق بالشؤون الإستراتيجية».
امتداداً لهذا السجال، انتقد البيت الأبيض الموقف «المعلن والمتصلب» لمسؤولين إسرائيليين تجاه السياسة الأميركية حيال الحكومة الفلسطينية، معتبراً أن «الانتقادات الإسرائيلية تتناقض جوهرياً مع تعامل إسرائيل نفسها مع السلطة، بما في ذلك التنسيق الأمني وتحويل أموال الضرائب». ونقلت «هآرتس» عن مسؤول في البيت الأبيض قوله إن إسرائيل بعثت رسالة واضحة إلى السلطة والمجتمع الدولي، مفادها أنها حوّلت أكثر من 500 مليون شيكل من أموال الضرائب إلى السلطة، «وهو اليوم نفسه الذي تشكلت فيه الحكومة الفلسطينية الجديدة».
ولفت المسؤول إلى أن الأمر لم يكن مصادفة «بل يعكس المصلحة الإسرائيلية الواضحة في الحفاظ على سلطة فلسطينية مستقرة لها دورها وتستطيع إدارة المناطق الفلسطينية بنجاعة، وخاصة أنه لا يوجد مصلحة إسرائيلية في انهيار السلطة، رغم ما يقوله بضعة مسؤولين إسرائيليين علانية».
أما السلطة (الأخبار)، فعبرت عن غضبها الشديد واستنكارها إعلان البناء الجديد. وقال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة نبيل أبو ردينة، أمس، إن عطاءات الاستيطان الجديدة تأتي في الوقت الذي أعلن فيه العالم دعم حكومة الوفاق الوطني، مضيفاً: «على إسرائيل أن تدرك أن سياستها الاستيطانية مرفوضة». وعن طبيعة الرد، صرحت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حنان عشراوي بالقول إن هناك قراراً بالتوجه إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لمواجهة الإعلان الإسرائيلي من أجل كبح جماح هذا الخرق الكبير وضمان المساءلة.