درعا | يسود الهدوء الحذر أجواء المنطقة الجنوبية في سوريا، مع اقتراب التصعيد في درعا البلد من دخول شهره الثاني على التوالي. وتُسمع بين الساعة والأخرى في درعا وريفها القريب، أصوات أعيرة نارية وقذائف صاروخية، فيما تستمرّ عمليات التحشيد العسكري للجيش السوري باتّجاه المنطقة. ولم تفلح الاتفاقات السابقة، سواء اتفاق «تسوية 2018»، أو ما تلاه من تفاهمات أخيرة بين الفصائل المسلّحة والحكومة السورية، في ضبط الأوضاع الأمنية المضطربة منذ سنتين تقريباً، في ظلّ ارتفاع واضح في أرقام الاغتيالات والتفجيرات التي تستهدف عناصر الجيش والقوات الأمنية، في العام الأخير. وبعد فشل تطبيق الاتفاق الأحدث الذي أُبرم قبل أسابيع بين المفاوضين عن الحكومة السورية باسم «اللجنة الأمنية»، وما تُسمّى بـ«اللجنة المركزية» التي تفاوض باسم الفصائل المسلّحة، بسبب خرق الأخيرة لوقف إطلاق النار، ومهاجمتها عناصر الجيش الداخلين إلى أحياء درعا لتطبيق ما تمّ التفاهم عليه، تجري في الأيام القليلة التي مرّت، وحالياً، مفاوضات جديدة بين الطرفين، ربّما تكون الفرصة الأخيرة للحؤول دون مزيد من التصعيد العسكري.

وبحسب مصادر محلية مطّلعة على سير المفاوضات، تحدّثت إليها «الأخبار»، فإن «أيّ خروقات لم تُسجّل في البنود التي تصرّ عليها الحكومة السورية، مقابل استمرار تعنّت الفصائل المسلحة وتمسّكها بمطالبها أيضاً»، واستمرار تلويحها عبر منصّاتها بـ«التصعيد العسكري». وفي الميدان، يحتاج الجيش السوري إلى «حسم الأمور سريعاً كي لا تتحوّل درعا إلى جبهة استنزاف»، بحسب ضابط في الجيش تحدّث إلى «الأخبار»، موضحاً أن «ما تقوم به الفصائل المسلّحة حالياً، هو إعادة تدعيم خطوط الدفاع الأولى المواجِهة للأطراف الشرقية لدرعا البلد، وتحديداً على محوري الكازيّة والمصري. كذلك، تتّبع الفصائل الأسلوب نفسه في الجهة الغربية (سجنة والمنشية)، مستغلّة خروج معظم العائلات من المنطقة، وخلوّ الميدان من أيّ عراقيل تعوق الأعمال العسكرية. ولا يبدو الوضع مغايراً في الأرياف القريبة، حيث يعمد المسلّحون إلى مباغتة الآليات والسيارات العسكرية العابرة على الطرق الرئيسة في الريف الشرقي، ومهاجمتها بمختلف صنوف الأسلحة الخفيف والمتوسّطة، ليسقط جرّاء تلك الهجمات 5 قتلى خلال 3 أيام فقط، يضاف إليهم مقتل ضابط في الجيش على جبهة درعا البلد.

تعهّد الجانب الروسي بتأمين مرونة أكبر من جانب الدولة السورية في التفاوض على غالبية البنود


ولا يُجمع أعضاء «اللجنة المركزية» المفاوِضة على رأي واحد حول الخطوة التالية. إذ ينادي بعضهم بـ«ضرورة تخفيف الحصار على مسلّحي درعا البلد في أسرع وقت ممكن»، في موقف يتّفق مع بيان وُقّع باسم «عشائر حوران»، طالب بـ«إيقاف الحملة على درعا»، وبحْث إمكانية فرض نوع من«اللامركزية الإدارية» في أحياء المنطقة. في المقابل، ترى أطراف أخرى أكثر تشدّداً، داخل «المركزية»، أن «الصبر والضغط على الضامن الروسي سيثمر في النهاية». وتكشف المعلومات الواردة من الملعب البلدي في درعا، حيث تجري اجتماعات التفاوض تحت رعاية روسية، أن «اجتماعَين على الأقلّ سيُعقدان في نهاية الأسبوع الحالي، ومن المفترض أنهما سيحدّدان شكل الحلّ المقبل»، لكن المعلومات تؤكّد أن «ثوابت معينة تتعلّق بانتشار الجيش في درعا، لا يمكن القبول بالمساومة عليها بالنسبة للمفاوضين باسم الحكومة السورية». كذلك، فإن الجانب الروسي «تعهّد بتأمين مرونة أكبر من جانب الدولة السورية، في ما يخصّ جميع البنود، باستثناء قبول بقاء السلاح بيد المسلحين المتطرّفين داخل درعا».
وعلى صعيد موازٍ، تكشف معلومات حصلت عليها «الأخبار» أن بعض الفاعلين والمؤثّرين في المنطقة الجنوبية، أوصلوا رسائل إلى الجانب الروسي، تفيد بإمكانية خفْض التصعيد الحالي، وتطبيق الاتفاق الأخير في وقت سريع، والقبول بترحيل رافضي التسوية نحو إدلب، لكن بشرط «إنهاء أيّ وجود لأيّ عناصر أو تنظيم أو قوات نظامية تتبع لإيران أو تتعاون معها، في كامل المنطقة الجنوبية». ويبدو هذا المطلب إسرائيلياً ــــ أميركياً مشتركاً، قديماً - جديداً، لا علاقة له بالفصائل المسلحة وإرادتها. وكان قد طُرح مطلب شبيه بذلك في المفاوضات التي سبقت «تسوية 2018»، حيث اشترطت إسرائيل والولايات المتحدة على روسيا، أن تقوم الأخيرة بإبعاد «حزب الله» والمستشارين الإيرانيين نحو 70 كم عن الشريط الحدودي مع الجولان المحتل. وعلى رغم ما حُكي حينها عن موافقة روسية، أفضت إلى انتفاء الوجود العلني لأيّ قوات إيرانية أو قوات من «حزب الله» في المنطقة الجنوبية، إلا أن العدو الإسرائيلي لا ينفكّ يذكّر بوجود عناصر من هاتين الجهتين هناك، وتحديداً قرب الحدود مع الجولان المحتل، حيث ينفّذ العدو باستمرار هجمات على مواقع عسكرية يدّعي أنها تابعة لـ«حزب الله» وإيران، كما يلقي بمنشورات تحذّر الضباط السوريين من التعاون مع هذه القوات. ويدلّل هذا الطرح الجديد على أن الفصائل الجنوبية لم تتخلّ بعد عن التزاماتها تجاه الأطراف الخارجية، ولاسيما الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يعيد المنطقة الجنوبية إلى موقعها القديم، كساحة للتصارع الدولي بأدواتٍ محلية.