في خضم الصراع بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على الرواية حول المفاوضات والمسؤول عن إحباطها، أدلى المبعوث الأميركي، مارتن انديك، الذي يفترض أنه المشرف والوسيط، بروايته التي حمَّل فيها مسؤولية الإخفاق للطرفين.


حديث إنديك في ظاهره يحمّل إسرائيل جزءًا من المسؤولية، لكنه يمثل إنجازًا فعليًّا لحكومة بنيامين نتنياهو، فهو يساويها بالضحية الفلسطينية. في رأي الرجل بات الطرفان مسؤولين عما آلت إليه التطورات، ولم يعد بالإمكان الحديث حتى من الناحية النظرية عن خطوات عقابية على واحد دون آخر، ولومه على خلفية إخفاق المفاوضات.
ويبرز في تفاصيل ما أدلى به انديك خلال كلمة له داخل معهد واشنطن للشرق الأوسط، الانتقاد الحادّ وغير المسبوق الذي وجهه إلى البناء الاستيطاني في الضفة الغربية بناء على «الأضرار الفادحة التي تسبب الاستيطان بها للمفاوضات، وما يمثله ذلك من خطر على مفهوم أن إسرائيل دولة يهودية». في المقابل جاء لومه على الخطوات الاعتراضية التي بادر إليها رئيس السلطة محمود عباس، على ضوء توقيع الأخير قرارا بالانضمام إلى منظمات دولية، ثم اتفاق المصالحة مع حركة حماس.
وبلهجة بدا فيها كما أنه يتحدث من موقع القلق على «يهودية إسرائيل»، رأى الوسيط أن «استمرار البناء الاستيطاني المنفلت العقال في الضفة يدفع إسرائيل إلى واقع ثنائي القومية لا رجعة عنه، فضلا عن الآثار التخريبية التي ألحقها بمحادثات السلام، بل تعمد داعمو الاستيطان فعله».

تعارض ليفني
قانون الأسرى لأنه
يضيق المناورة

إنديك لفت في السياق نفسه إلى أن استمرار الاستيطان لا يزعزع ثقة الفلسطينيين بالمفاوضات فحسب، «بل يمكن أن يضر أيضاً بالمستقبل اليهودي لإسرائيل، وبفكرة الدولة اليهودية، حتى يقود إلى مأساة ذات أبعاد تاريخية». وللاستدلال على ذلك، ذكر أنه خلال أشهر المفاوضات التسعة نشرت تل أبيب مناقصات لبناء 4800 وحدة سكنية، وأعلنت التخطيط لبناء 8000 وحدة أخرى «غالبيتها في مناطق من المفترض ألا تكون تحت السيطرة الإسرائيلية».
هذا كله دفع عباس إلى «الانغلاق»، بحسب رأي الوسيط الأميركي، الذي أكد أن وزير خارجية بلاده جون كيري يعمل على الدفع باتجاه تحديد الحدود ووضع ترتيبات أمنية بالتوازي مع إغلاق باقي القضايا المختلف عليها «حتى يكون لكل طرف مطلق الحرية في البناء في دولته». مع ذلك فإنه برّر إصرار نتنياهو على الاستمرار في الاستيطان بخوف الأخير من تعرض ائتلافه لخطر التفكك.
وبينما استنكر إنديك تصريحات رئيس الطاقم الفلسطيني المفاوض صائب عريقات بشأن تخطيط إسرائيل لتصفية «أبو مازن»، شجب البيانات التي وصفها بـ«الكاذبة والمهينة» لجهات إسرائيلية تدعي أن عباس وافق على البناء الاستيطاني في الضفة مقابل الافراج عن أسرى. وفي إطار تحميله الجزء الباقي من المسؤولية عن انهيار «محادثات السلام» للسلطة الفلسطينية، استنكر أيضا قرار رئيس السلطة الانضمام إلى جملة منظمات دولية، وتوقيعه اتفاق مصالحة مع حماس، محذرًا الطرفين من اللجوء إلى خطوات تؤدي إلى تصعيد يخرج عن السيطرة.
في سياق متصل، شددت مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس على ضرورة امتناع إسرائيل والسلطة عن اتخاذ خطوات تزيد حدة التوتر. جاء ذلك بعد عدة لقاءات لها شملت الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريس وكلًّا من نتنياهو وعباس.
الجديد أن رايس حددت للسلطة الشروط التي ينبغي لأي حكومة فلسطينية التزامها، وعلى ضوئها تكون واشنطن مستعدة للتعاون معها، في إشارة إلى الحديث عن التهديد بقطع المساعدات الأميركية إذا عادت حماس لتشارك في حكومة مع رئيس السلطة.
وأوضح بيان صادر عن البيت الأبيض تلك الشروط بالقول، إن أي حكومة فلسطينية يجب أن تلتزم بصورة واضحة وقاطعة «تجنب العنف والاعتراف بدولة إسرائيل، وقبول الالتزامات والاتفاقات السابقة بين الطرفين».
أما عباس (الأخبار)، فأبلغ المستشارة الأميركية موافقته على العودة إلى المفاوضات بشرط التزام إسرائيل الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى، «ووقف الاستيطان في الضفة والقدس ثلاثة أشهر، وبحث مسألة الحدود أولا»، كما نقل عنه المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة.
وأضاف أبو ردينة في تصريح صحافي: «جرى خلال اللقاء بحث ما آلت إليه عملية السلام»، مشيرا إلى أن رايس طرحت عدة استفسارات تتعلق بكيفية استئناف مباحثات التسوية.
من جهة أخرى، ذكرت صحيفة «يديعوت احرونوت» أن عددا من أعضاء الكنيست (أحزاب الليكود والبيت اليهودي والحركة وإسرائيل بيتنا) بادروا إلى اقتراح قانون يضع صعوبات أمام الافراج عن أسرى وتحديدا من الفلسطينيين ممن وصفتهم بـ «االعيار الثقيل»، على أن تصوت اللجنة الوزارية لشؤون التشريع يوم غد على الاقتراح.
وذكرت «يديعوت» أنه بموجب اقتراح القانون يستطيع القضاة الإسرائيليون الحكم بالسجن مدى الحياة تماما، وذلك في صورة مماثلة لما هو موجود داخل الولايات المتحدة، ما يعني أنه لن يكون بالإمكان الافراج عنهم في أي صفقات سياسية، كما من حق المحكمة أن تقرر في هذه الحالة أنه لـ «أسباب خاصة لا يمكن لرئيس الدولة أن يمنح العفو أو يخفف العقوبة».
وفي الوقت الذي تشير التقديرات فيه إلى أن عددا من وزراء الليكود سيدعمون اقتراح القانون إلى جانب ممثلي «إسرائيل بيتنا»، لفتت الصحيفة إلى أن وزيرة القضاء تسيبي ليفني أعلنت أنها تعارض اقتراح القانون «لأنه يمس هامش المناورة السياسية للحكومة»، فيما لا يزال من غير الواضح موقف حزب «هناك مستقبل» بشأن المشروع.