حلب | للمكان رمزيته وللزمان أيضاً. جماعات مسلحة شنّت هجوماً في 17 نيسان، ذكرى جلاء الاحتلال الفرنسي عن سوريا، على ثكنة للجيش، تحمل اسم أحد أبطال الاستقلال ابراهيم هنانو. التهويل الاعلامي ساهم أيضاً في «اسقاط مدينة حلب»، ببث الذعر في صفوف المدنيين، الذين سارعوا منذ الصباح إلى شراء وتخزين أكبر قدر ممكن من الخبز والحاجات الأساسية الأخرى.


سميحة بشور، المقيمة في منطقة «التليفون الهوائي»، كانت ضحية هذا الاعلام. «معنوياتنا كانت في الحضيض. احتلوا قسماً من الزهراء ويهاجمون (مبنى الاستخبارات) الجوية، وقطعوا طريق خناصر، وأعلنوا السيطرة على ثكنة هنانو... كل هذا جعلنا نموت من الرعب».
لكن سرعة بث الاعلام السوري لمشاهد جثث المسلحين كان له دور كبير في طمأنة السكان، الذين تذكّروا مشاعر القلق والخوف التي عاشوها في رمضان عام 2012 إثر اقتحام المسلحين للمدينة.
يرى الضباط والجنود أنهم يتابعون معركة الجلاء ضد الاحتلال الاجنبي على خطى إبراهيم هنانو. يقول ضابط، ترك مكتبه في فرع الأمن القريب للانضمام إلى المعركة، «عملاء الأجنبي هاجموا ثكنة الزعيم الوطني هنانو في يوم عيد الجلاء، ونحن سنتابع على طريقه مع أهلنا في محافظة حلب لنصنع الجلاء الثاني».
لم يشارك الجيش السوري وحده في هذه المعركة، التي خلفت نحو خمسة شهداء وعشرين جريحاً، بل كانت هنالك، أيضاً، مجموعات من «الدفاع الوطني» و«اللجان الشعبية». آزاد شاب من القامشلي، جاء متطوعاً لقتال «الإرهابيين التكفيريين»: «معركتنا ضدهم معركة وطنية والأكراد سوريون يدافعون عن سوريا اليوم، كما دافعوا عنها مع هنانو السوري الكردي»، يقول لـ«الأخبار».
كان لافتاً طغيان اللهجة الحلبية على الجنود. محمد حاج علي، الذي أصيب بشظية في وجهه، قال ساخراً: «العملاء يهاجمون الثكنة التي أدافع عنها انطلاقاً من حارتنا... العصابات هجّرت أهلي من حيّ قرلق، نحن أهل حلب نعرف من هم، وماذا فعلوا منذ اليوم الأول».

سارع المدنيون
إلى تموين الخبز منذ الصباح بسبب الخوف

الهجوم شارك فيه مئات المسلحين من «الجبهة الإسلامية» و«جبهة النصرة». هؤلاء شنوا هجمات عنيفة طوال ليل 16 نيسان على جميع حواجز ونقاط تموضع وحراسة الجيش الممتدة من الثكنة شمالاً، حتى جادة الخندق غرباً، مروراً بميسلون والحميدية والسيد علي والجديدة وساحة الحطب. لم تتوقف الهجمات فيما هز انفجار ضخم منطقة الثكنة، تلاه انفجار ثان ثم ثالث. تسبّب ذلك بهزة أرضية شعر بها سكان الأحياء المحيطة. الحصيلة كانت انهيار بناء البابللي المتاخم لمقبرة جبل العظام والثكنة، التي انهارت أجزاء من أبنيتها الجنوبية الشرقية حيث النفق الأخير،الذي ضم أكبر كمية من المتفجرات. التفجيرات فتحت ثغرتين تقدم من خلالهما عشرات المسلحين، ليحصدهم وابل من رصاص الرشاشات المتوسطة، كان واضحاً أثرها في جثثهم التي لا تزال موجودة هنا على الارض.
في أقصى جنوبي شرق الثكنة، كان البناء التراثي من المرحلة العثمانية قد انهارت أطرافه وبدت للناظر غرفه. أسرّة عسكرية وطاولات يتحلّق حولها جنود يلوحون بعلامة النصر. يمازح أحدهم الحاضرين: «باركولنا صار عنا بلكون بالمهجع». لا يبدو أن العسكريين كانوا في معركة سوى من ثيابهم المغبرة ورائحة عرقهم. الفرح والثقة العارمان يظهران على الوجوه. الكل يتسابق للظهور أمام الكاميرات. «والله منشان الأهل يطمئنوا»، أحدهم يطلب تصويره بإلحاح. ويضيف بفخر: «قتلت ثلاثة من الإرهابيين، من فوق. انظر إلى تلك الزاوية المدمرة، حيث موقعي رصدتهم وعندما اقتربوا أفرغت 3 مخازن باتجاههم».
قائد ميداني شرح لـ«الأخبار» أنّ «المجموعات الإرهابية بدأت هجومها بمشاغلة خطنا الدفاعي بتمهيد ناري واشتباكات طيلة اثنتي عشرة ساعة لإنهاكنا بقصد الوصول الى ثكنة هنانو بعيد تفجير الانفاق». وعدّد المسؤول قوس المناطق التي يمر فيها هذا الخط: «تفجير الانفاق الثلاثة كان الهدف منه إرباكنا والتسلل مستغلين عنصر الصدمة، وهذا ما لم يحصل، لأن رباطة جأش جنودنا عالية».
قرب دوار باب الحديد، «مدافع جهنم» ومدافع الهاون ترشق بقذائفها العمياء الثكنة والأحياء الآمنة. عشرات المسلحين قضوا في غارات سلاح الجو. بعد الظهر ساد الهدوء... وفشلت الغزوة.



الهدوء يخيّم مجدداً على حلب

عاشت مدينة حلب أمس يوماً هادئاً نسبياً بعد مرور 24 ساعة على معارك كانت الاعنف إثر الهجوم على ثكنة هنانو. عادت الحركة إلى أحياء المدينة، فيما خرقت الهدوء غارات عدة لسلاح الجو، على بعض المواقع داخل المدينة في الكلاسة وبستان القصر، استهدفت مقارّ للمسلحين، أحدها في المخفر. وفي شمال حلب، أغار سلاح الجو على مقار للمسلحين في حريتان وكفر حمرة وعندان. وأعلنت مصادر المعارضة مقتل محمد ابو الجود، قائد «كتيبة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة»، وهو من القادة التاريخيين لجماعة «الاخوان المسلمين»، وذلك خلال قيادته هجوماً على حيّ الإذاعة في المدينة. حلب التي تنفّست الصعداء بعد يومين من المعارك العنيفة، غاب عنها التيار الكهربائي مجدداً على نحو شامل، بعد قطعه من قبل المسلحين، الذين سيطروا على محطة الزربة. وانقطعت خدمة الانترنت ADSL عصر أمس، فيما لم تصدر قيادة العمليات في حلب أمراًَ بفتح طريق خناصر ــ حلب حتى الآن، برغم استرجاع كل المساحة التي كان المسلحون قد احتلوها. وقال أحد العاملين في محافظة حلب لـ«الأخبار» إن فتح الطريق كليا سيجري بعد الاطمئنان الى عدم إمكان استهداف العابرين برصاص القنص من أبنية العامرية في اتجاه جسر الراموسة.