مثّل قرار البرلمان الأوروبي إدانة انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين صدمة لحكومة المنامة، التي لطالما استفادت من حالة التشتُّت في هذه المؤسّسة التشريعية الأوروبية، وبالأخصّ أيام وجود بريطانيا التي كانت تُوفّر حماية مكشوفة لنظام آل خليفة أمام منتقديه. القرار، الذي صدر بموافقة أغلبية ساحقة (633 نائباً من أصل 689)، كان شاملاً في تناوُله الانتهاكات الجسيمة التي تورّطت فيها السلطات الحاكمة، وفشلها في تنفيذ إصلاحات حقيقية في المجال السياسي.

وحتى لا نقع في قراءة حقوقية بحتة، على رغم أهميّتها، يجدر الحديث عن الصبغة السياسية التي يحملها القرار؛ إذ يضعه محلّلون في خانة الإشارات الأميركية غير المعلَنة لحكومة البحرين بالتوجُّه إلى إدخال إصلاحات فورية. ولا شكّ، هنا، في أن قيام 15 منظمة حقوقية دولية بمخاطبة إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، حول الوضع المأسوي في البحرين، كانت له مفاعيله في هذا الإطار.
تَمثّلت الرسالة الأهمّ في القرار الأوروبي في دعوته ولي العهد، رئيس الوزراء الجديد سلمان بن حمد، إلى استخدام سلطته لدفع البلاد نحو الإصلاح واحترام حقوق الإنسان والحرّيات الأساسية. وتكمن أهمية هذه الدعوة في تمحوُرها حول ضرورة "مغادرة" الممارسات المزرية السابقة التي تقف خلفها شخصيات أمنية وأخرى نافذة في الديوان الملكي. إذن، الإتيان بخلاف السائد كان المطلوب، وهو عنوان استفزّ المتورّطين من النافذين في الدولة الأمنية، أو "الحرس القديم". وعلى إثر ذلك، تمّ توجيه أعضاء في مجلسَي الشورى والنواب وكتّاب الأعمدة في الصحف المحلية ومنظمات "الجونجوز" بالهجوم على القرار، واعتباره "تدخُّلاً غير مسؤول" في الشأن الداخلي، وغير مستند إلى الحقائق والمعلومات الصحيحة التي تعكس"الواقع الديموقراطي". ولم ينسَ هؤلاء تمجيد التدابير المعمول بها بحرينياً، داعين الأوروبيين إلى تعلُّم مبادئ حقوق الإنسان من البحرين! وفي هذا الصدد، يستوقفك، أيضاً، بيان "الاتحاد البرلماني العربي" الذي وصف التقرير "بالمغرض"، وعدّه "تدخُّلاً سافراً" في الشؤون المحلّية للبحرين، علماً بأن رئيس الاتحاد هو عادل العسومي، النائب الحالي في البرلمان البحريني.

يُعدّ القرار متغيّراً سياسياً مهمّاً، خصوصاً أن البحرين تطمع في التعاون مع الاتحاد الأوروبي


في المقابل، حاول رئيس الوزراء الجديد أن يعمل على تبييض الصفحة، بإقرار مجموعة من القوانين والتعديلات التي ما زالت شكلية في طابعها، ومنها "قانون العدالة الإصلاحية" الخاص باعتقال الأطفال وموضوع السجون المفتوحة، إضافة إلى تعيينات في وظائف حكومية عليا لكوادر شبابية، تبدو أقلّ إقصائية. إلا أن الحقيقة هي أنه لا قيمة لهذه التعديلات ما لم تنعكس على الواقع السياسي، عبر البدء بمصالحة وطنية تفضي إلى الإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة المعارضة إلى الحياة السياسية، وإطلاق الحرّيات الصحافية، واحترام المبادئ العالمية لحقوق الإنسان.
أيّاً يكن، لا نريد أن نبالغ في التعامل مع القرار، لكونه لا يحمل إجراءات تنفيذية، لكنه يُعدّ متغيّراً سياسياً مهمّاً، خصوصاً أن البحرين تطمع في التعاون مع الاتحاد الأوروبي. وهذا يمثّل فرصة جديدة أمام المعارضة لترجمة هذه المواقف في أفعال سياسية مقبلة، والاستفادة من المتغيّرات الواقعة في المنطقة والعالم، وبالأخصّ بعد تقرير الاستخبارات الأميركية في شأن السعودية، وما سيولّده من تداعيات على أنظمة الخليج.

* سياسي بحريني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا