سلكت الأزمة المعتمِلة بين رئاستَي الجمهورية والحكومة في تونس مساراً أكثر تعقيداً، يُنذر ببلوغها نقطة اللاعودة. الأزمة التي فاقمتها خطوة رئيس الحكومة، هشام المشيشي، نحو تعديل وزاري عطّله الرئيس قيس سعيّد برفضه إصدار المراسيم الرئاسية، سعّرها هذا الأوّل بقراره، قَبل يومين، إقالة خمسة وزراء يُقال إنهم محسوبون على الرئاسة، ليعزِّز الشرخ بين الجانبين. في هذا الوقت، خرجت أحزاب الحزام السياسي الداعمة للحكومة، وعلى رأسها «النهضة»، لتدعو إلى إرساء المحكمة الدستورية المخوّلة حصراً النظر في الخلافات التي تنشب بين السلطات.


تعيش تونس، منذ بعض الوقت، على إيقاع أزمة سياسية تبدو مرشّحة للتصاعد، وسط حالة الانسداد الناتجة عن الخلافات العميقة بين رئاستَي الجمهورية والحكومة. وتفاقمت الأزمة، المعطوفة على صعوبات اقتصادية واجتماعية كبيرة تواجهها البلاد بفعل وباء «كورونا» والدَين السيادي المتضخّم، في أعقاب اقتراح رئيس الحكومة، هشام المشيشي، في الـ16 من كانون الثاني/ يناير الماضي، تعديلاً وزارياً على البرلمان لم يشاور فيه الرئيس قيس سعيّد الذي اغتاظ مِن توقيت الخطوة وكيفية إخراجها. ولمّا أقرّ البرلمان التونسي، في الـ26 من الشهر الفائت، التعديل الوزاري المُقتَرح، والذي يشمل 11 حقيبة وزارية من أصل 25، امتنع سعيّد عن دعوة الوزراء الجُدد إلى أداء اليمين الدستورية أمامه في قصر قرطاج، بسبب ما وصفه بشبهات فساد وتضارب مصالح تحوم حول بعض الأسماء المقترحة.
أمام هذا الواقع المعقّد، أدخل رئيس الحكومة التونسية، أوّل من أمس، تعديلاً جديداً على تشكيلته الحكومية، أقال بموجبه خمسة وزراء ووزّع حقائبهم، بعدما رفض سعيّد تعديله السابق. وضمّت لائحة الوزراء الذين أقالهم المشيشي من مهامهم، بحسب البيان الحكومي، كلّاً من وزير العدل محمّد بوستّة، ووزيرة الصناعة والطاقة والمناجم سلوى الصغيّر، ووزير الشباب والرياضة والإدماج المهني كمال دقيش، ووزيرة أملاك الدولة والشؤون العقارية ليلى جفال، ووزيرة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عاقصة البحري، فيما كلّف خمسة وزراء من حكومته بتولّي هذه الحقائب الخمس بالإنابة. وقبل تعديل كانون الثاني، أقال المشيشي كلاً من وزير الداخلية توفيق شرف الدين، ووزير البيئة مصطفى العروي، ووزير الثقافة وليد الزيدي، وقسّم وزارة الصناعة والطاقة إلى وزارتَين. وتُمثّل هذه الإقالات المفاجِئة خطوة تصعيدية في وجه الرئاسة من جانب المشيشي، الذي أكّد أن حكومته «تبقى منفتحة على كلّ الحلول الكفيلة باستكمال إجراءات التحوير الوزاري، ليتمكّن الوزراء من مباشرة مهامهم، في إطار الدستور».

تحدّث سعيّد عن شبهات فساد وتضارب مصالح تحوم حول بعض الأسماء المقترحة في التعديل الوزاري


وفي أعقاب التعديل الذي دفعت إليه أحزاب الحزام السياسي الداعمة للحكومة، تحدّث سعيّد عن شبهات فساد وتضارب مصالح تحوم حول بعض المعيّنين الجُدد. وعلى هذه الخلفية، امتنع الرئيس التونسي عن دعوة الوزراء إلى أداء اليمين في قصر قرطاج، ورفَض إصدار المراسيم الرئاسية لتعيينهم في مناصبهم. وفي حين لم يتّهم سعيّد أيّاً من الوزراء الذين اختارهم المشيشي بالاسم، نشرت منظمة «أنا يقظ» غير الحكومية والمتخصّصة في ملفات الفساد، تقارير أكّدت فيها وجود شبهات في تضارب مصالح وفساد «جدّية» تحوم حول الوزراء الذين اقتُرحت أسماؤهم حينها، وهم الهادي خيري لوزارة الصحة، وسفيان بن تونس لوزارة الطاقة والمناجم، ويوسف فنيرة للتكوين المهني والتشغيل، ويوسف الزواغي للعدل. وردّ سعيّد على خطوة المشيشي بكتابٍ هاجم فيه التعديل الوزاري، لكونه «لم يحترم الدستور»، الذي يقتضي مداولات بين الرئاسة والحكومة. وتضمّن الكتاب، وفق رئاسة الجمهورية، «تذكيراً بجملة من المبادئ المتعلّقة بضرورة أن تكون السلطة السياسية في تونس معبّرة عن الإرادة الحقيقية للشعب». وأكّد الرئيس التونسي، في كتابه الذي جاء ردّاً على رسالة من المشيشي يطالب فيها بتحديد أسماء الوزراء الذين يعترض عليهم وتحديد موعد لأداء اليمين الدستورية، أن «اليمين لا تقاس بمقاييس الإجراءات الشكلية أو الجوهرية، بل بالالتزام بما ورد في نصّ القسم وبالآثار التي ستترتّب عليه».
ويلقى المشيشي دعماً متواصلاً من حلفائه في البرلمان، «النهضة» و»قلب تونس» و»ائتلاف الكرامة»، الذين جدّدوا دعمهم لحكومته، بينما تتواصل الأزمة على مستويات عديدة، برلمانياً وشعبياً، حيث أُثيرت، أخيراً، دعوات إلى النزول إلى الشارع. واعتبر رئيس البرلمان ورئيس «حركة النهضة»، راشد الغنوشي، أن إعفاء المشيشي خمسة وزراء يُعتبر «خطوة مؤقتة وليس حلاً دائماً»، داعياً إلى استكمال «بناء المحكمة الدستورية لأنّها هي المخوّلة الحسم في الخلاف». وبسبب التجاذبات السياسية المتواصلة، لم يتمكّن الأطراف السياسيون في تونس، منذ ستّ سنوات، من إرساء المحكمة الدستورية المخوّلة حصراً النظر في الخلافات التي تنشب بين السلطات، ومنها الخلاف حول التعديل الوزاري. وأشار الغنوشي إلى أن «المشيشي يتّجه إلى حلّ جزئي يتمثّل في التوفيق بين الجانب الدستوري ورعاية المصلحة… هو لا يتّجه إلى فرض إرادته... وإنّما يتحرك في إطار الدستور». وفي السياق نفسه، وصف رئيس كتلة «قلب تونس» البرلمانية، أسامة الخليفي، قرار رئيس الحكومة بأنه جاء «في الاتجاه الصحيح، هدفه تحسين أداء الحكومة عقب تعطيل التحوير الوزاري الأخير بما يضمن استمرارية الدولة»، داعياً إلى جعل مسألة إرساء المحكمة الدستورية أولويّة مطلقة لعمله في المرحلة المقبلة. ودعا «الاتحاد العام التونسي للشغل»، يوم أمس، إلى توحيد الجهود من أجل الإسراع في حلّ المأزق الدستوري بين رئاستَي الحكومة والجمهورية. وعبّر، في بيانه، عن «بالغ انشغاله لتأزّم الوضع، خاصّة بعد أزمة التعديل الوزاري الأخير والمأزق الدستوري الذي أفضى إلى تعطّل مصالح الدولة وإلى شلل عام لكلّ أجهزتها وعقّد الوضع السياسي في اتّجاه المجهول». وطالب «بالإسراع في فضّ هذا المأزق الدستوري في أقرب الأوقات»، داعياً «المنظّمات الوطنية إلى توحيد الجهود للضغط من أجل إيجاد حلّ للأزمة الراهنة». ونبّه إلى «تواصل تدهور الوضعَين الاقتصادي والاجتماعي في غياب أيّ إجراءات واضحة من الحكومة للحدّ من الانحدار والتوتّر اللذين تشهدهما البلاد».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا