غزة، القاهرة | انتهت حوارات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية ببيانٍ أعلن النقاط المتّفق عليها لسير الانتخابات المزمع عقد المرحلة الأولى منها (التشريعية) في أيار/ مايو المقبل، وذلك بعد اجتماعات على مدار يومين أُشيعت أخبار حول تمديدها، قبل أن تنتهي أوّل من أمس. ولعلّ من أبرز النقاط الخلافية التي تمّ التوصّل إلى حلّ لها وفق البيان تشكيل «محكمة قضايا الانتخابات» بالتوافق بين قضاة القدس والضفة المحتلة وقطاع غزة، على أن تتولّى هذه المحكمة «حصراً دون غيرها من الجهات القضائية، متابعة كلّ ما يتعلق بالعملية الانتخابية ونتائجها، والقضايا الشائكة»، بعد أن يُصدِر رئيس السلطة، محمود عباس، مرسوماً بتشكيلها وتوضيح مهمّاتها استناداً إلى هذا التوافق وطبقاً للقانون.

مصادر مطّلعة تحدّثت عن شروط عديدة فُرضت في اللقاءات، مَهّد القبول بها للاتفاق على جولة جديدة ستنعقد الشهر المقبل في العاصمة المصرية. وهو ما لعبت دوراً فيه أيضاً «جزرة» التسهيلات المصرية قريباً لقطاع غزة، وعلى رأسها فتح معبر رفح باستمرار وانتظام، مع وعد بتوقّف المضايقات التي يتعرّض الفلسطينيون لها عند الدخول والخروج. في المقابل، ستلعب «المخابرات العامة» دوراً مباشراً في متابعة تنفيذ ما اتُّفق عليه بصفة القاهرة «شريكاً» لا وسيطاً بين الفصائل، وهو أمر وافق عليه الجميع من دون استثناء. وتضيف المصادر أن السلطات المصرية أعادت بعض الشخصيات التي استُبعدت في الماضي من مسؤولي المخابرات المعنيّين بالملفّ الفلسطيني، وهو ما أسهم في تحقيق توافق سريع خلال يومَي الاجتماعات التي جرى فيها «إعلاء دور القاهرة وجهاز المخابرات، ولا سيما مديرها اللواء عباس كامل، الذي تابع مع الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصياً مسار المفاوضات»، الأمر الذي عكس تحوُّلاً مصرياً تجاه «حماس» و«الجهاد الإسلامي» بدأ منذ الصيف الماضي، ووصل ذروته في الاجتماعات الأخيرة.
في تفاصيل البيان الفلسطيني، يقول المدير الإقليمي لـ«لجنة الانتخابات المركزية»، جميل الخالدي، لـ«الأخبار»، إن البيان «يدعم عمل لجنة الانتخابات، وهو جزء مهمّ ورئيس في عمل اللجنة، لأن الفصائل والقوى الوطنية أهمّ الشركاء في العملية الانتخابية، ما يسمح لنا بأن نكون مطمئنين إلى أن العملية ستسير بمراحلها كافة وفق جدول زمني... نتمنى أن تكون بداية لشراكة سياسية». وتضمّن البيان جملة قرارات رحّب بها كثيرون «كخطوة على طريق إنهاء الانقسام»، فيما رأى آخرون أنها «عموميات لا تناقش تفاصيل الملفات الساخنة المختلَف عليها بين حركتَي فتح وحماس»، وأن هناك «ألغاماً قابلة للانفجار في أيّ وقت». وأوّل اختبار لما سبق هو مراقبة ما دعا إليه البيان بشأن «إطلاق الحريات العامّة، وإشاعة أجواء الحرّية السياسية التي كفلها القانون، والإفراج الفوري عن كلّ المعتقلين على خلفية فصائلية أو لأسباب تتعلّق بحرية الرأي»، ومدى تنفيذ ذلك في غزة والضفة على حدٍّ سواء.

ستُعقد اجتماعات تكميلية الشهر المقبل باستضافة مصرية أيضاً


ووفق المصادر المصرية، ستجري دراسة التوصية بتعديل قانون الانتخابات في اجتماعات آذار/ مارس، لكن فرصة التعديل ستكون «محدودة ومشروطة بأمور، بينها تحقيق الغالبية التوافقية وليس أكثرية 50+1»، وهي نقطة مهمّة من وجهة النظر المصرية لكونها تخدم النسبة الكبرى من الفصائل، مع التأكيد أن مصر ستتعاون مع «أيّ كيان سيحصد أصوات المواطنين». وفي شأن تأمين الانتخابات، اتفقت الفصائل على أن «الشرطة الفلسطينية في الضفة وغزة بزيّها الرسمي تتولّى تأمين مقارّ الانتخابات... وضمان حيادية الأجهزة الأمنية في الضفة وغزة وعدم تدخّلها في الانتخابات أو الدعاية الانتخابية لأيّ طرف». هنا، تقول مصادر مطلعة في «فتح» إنه اتُّفق على «نشر ثلاثة آلاف من عناصر السلطة في غزة للإشراف على سير العملية الانتخابية فيها». وفي غضون شهر، سيُعقد اجتماع آخر بحضور رئاسة «المجلس الوطني» و«لجنة الانتخابات» من أجل «التوافق على الأسس والآليات التي سيتمّ من خلالها استكمال تشكيل المجلس الوطني الجديد».
في المقابل، قرّرت «الجهاد الإسلامي» ألّا تخوض الانتخابات لأنها «مسقوفة باتفاق أوسلو»، فيما سجّلت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» تحفّظها على البيان، اعتراضاً على «عدم الالتفات إلى المقترحات التي قدّمتها (الجبهة) ولم يشملها البيان». وعلى رغم الحالة التوافقية العامة بين «فتح» و«حماس» وفصائل «منظّمة التحرير»، لم يجرِ الحديث في النقاط الخلافية التي تثير قلق الشارع. في هذا الإطار، يُعلّق القيادي في «فتح»، فايز أبو عيطة، بالقول إن «القضايا التي تمّ التوافق عليها هي في صلب الانتخابات وضمان إجرائها وفقاً لقواعد النزاهة والشفافية»، مستدركاً: «من الطبيعي أن الأمر يحتاج إلى جلسات أخرى للمتابعة والتفاهم حول قضايا أخرى لها علاقة بالانتخابات وبالمرحلة المقبلة عموماً».
وفي ما يتعلّق بشكل القائمة التي ستشارك فيها «فتح»، يشير أبو عيطة إلى أن حركته «منفتحة على الجميع من أجل تشكيل قائمة وحدة وطنية ومشاركة واسعة... ليس هناك اتفاق جاهز وإنما الحوارات مع الفصائل هي التي ستحدّد كيفية المشاركة بقوائم خاصة بكلّ فصيل أو قائمة تُمثّل الجميع». لكن القيادي «الفتحاوي»، عبد الله عبد الله، ينفي نية حركته خوض الانتخابات في قائمة مشتركة مع «حماس»، مُرجِّحاً أن تكون مثل هذه القائمة «مع فصائل أخرى». مع ذلك، ترى أوساط في «فتح» أن القضايا المفصلية المتعلّقة بإنهاء الانقسام تَقرّر ترحيلها إلى ما بعد الانتخابات، مثل الأمن وموظفي «حماس» والدور القطري في غزة، إضافة إلى سلاح المقاومة، مُتخوّفةً من أن ما تفعله الحركتان ليس سوى «تجديد للشرعيات أمام العالم».
ردّاً على هذه المخاوف، يقول عبد الله: «ما تمّ (في القاهرة) بداية لبناء الثقة بين الأطراف، وهو ما يبشّر بحلّ القضايا الخلافية التي ستكون معالجتها ضمن مهمّات الحكومة التي سيفرزها صندوق الانتخابات، وهي أيضاً مَن سيعالج كلّ ما تبقى من مشكلات في غزة». ويضيف: «هذه الانتخابات ستحدّد إمّا أن نكون أو لا نكون... هذه المرّة إن أخفقنا، فلن يتساهل المحيط الإقليمي معنا، ولذلك يجب أن ينتهي الحصار، ويجب أن نضحّي من أجل هذا الهدف ونمنع حصاراً موازياً على الضفة». وبالتوازي مع حوارات القاهرة، قرّرت السلطات المصرية فتح معبر رفح «لأجل غير مسمّى» في «بادرة حسن نية لتشجيع الحوار الوطني الفلسطيني»، وذلك بعد نحو عام من تشغيله بصورة متقطّعة واستثنائياً لأيام فقط. وبينما نقلت مصادر أن الاتحاد الأوروبي بات يشترط عودة عناصر السلطة إلى العمل على المعابر، قالت مصادر في «فتح» إن هناك حديثاً عن عودة العمل على معبر رفح بـ»اتفاقية المعابر 2005» مع وجود المراقبين الأوروبيين (الإيطاليين)، من دون أن تعطي تفاصيل أخرى. لكن المصادر المصرية تقول إن المعبر سيكون من «وسائل الضغط المصرية على الفصائل من أجل إكمال المسار السياسي وإجراء انتخابات جديدة... للانخراط في مفاوضات سلام مع الإسرائيليين»، علماً بأن تنسيقاً يجري مع الإسرائيليين عبر المخابرات المصرية لبدء المفاوضات بعد الانتخابات الإسرائيلية، وربّما قبل الانتخابات الفلسطينية في حال تشكيل حكومة إسرائيلية مستقرّة.