عادت بوادر الأزمات في المسارين السياسي والدستوري في ليبيا إلى الظهور بوضوح خلال الأيام الماضية. فمع أن الحكومة المكلّفة برئاسة عبد الحميد دبيبة بدأت التواصل مع العالم الخارجي، فيما تعهّدت حكومة «الوفاق الوطني» بقيادة فائز السراج بالعمل على مساعدتها وتسليمها السلطة فور حصولها على الثقة اللازمة، سواءً من مجلس النواب أو «ملتقى الحوار السياسي»، إلا أن العُقد تتوالى في اجتماعات المسار الدستوري التي بدأت في مدينة الغردقة المصرية أمس. مفاجآت هذا المسار، الذي يُعدّ الأكثر تعقيداً، ظهرت مع إعلان «المفوضية الوطنية للانتخابات» عجزها عن إنجاز الاستفتاء على الدستور قبل سبعة أشهر من الآن بسبب الإجراءات اللازمة والتجهيزات التي تضمن إدراج جميع مَن يحق له المشاركة من دون مشكلات، وهو ما يعني بالتالي استحالة إجراء الانتخابات نهاية العام كما كانت قرّرت البعثة الأممية.

إلى جانب ما تقدّم، يأتي احتمال رفض الدستور، والذي سيكون دافعاً إلى التئام الهيئة التأسيسية لإعادة إدخال تعديلات، علماً بأن تلك الهيئة شهدت خلافات كبيرة بين أعضائها في السابق، ولم تتمكّن من الاجتماع منذ سنوات، فضلاً عن وجود مواقف متنافرة لبعض أعضائها المنتخبين. ومن شأن رفض الدستور، في حال إجراء التصويت عليه بعد سبعة أشهر، أن يجعل المرحلة الانتقالية تطول حتى نهاية 2022 وليس كانون الأول/ ديسمبر المقبل، ما سيطيل عمر الحكومة الجديدة التي ستخضع أعمالها لمتابعة من «ملتقى الحوار، إضافة إلى البعثة الأممية. وتقول مصادر من المشاركين في الاجتماع، لـ«الأخبار»، إن التوجّه الآن هو أن يكون 24 كانون الأول/ ديسمبر موعداً لإجراء الاستفتاء على الدستور، على أن تعقبه الانتخابات في النصف الأول من 2022. وفي حال رفضه، ستؤجَّل الانتخابات في انتظار التعديلات اللازمة، الأمر الذي يعني أن الحكومة الانتقالية و«المجلس الرئاسي» لن يتسلّما السلطة في الموعد المحدّد.

من الصعب اجتماع الهيئة التأسيسية قريباً لوضع تعديلات على الدستور


ويُفترض أن يتّفق الحاضرون في اجتماعات الغردقة، التي تُختَتم اليوم (قد تُمدّد إذا لزم)، على تحديد موعد الاستفتاء وفق ما تتيحه الظروف الفعلية، علماً بأن مطالبات انطلقت بإضافة مادة إلى الدستور تضمن منع إقامة قواعد أجنبية في البلاد، وذلك من أعضاء تدعمهم مصر والإمارات، والهدف منع إقامة قواعد تركية على ساحل المتوسط. لكن من الناحية الدستورية، ستشكّل إضافة هذه المادة أزمة قانونية، لأن النصوص الدستورية تمّ الانتهاء منها وحصلت على موافقة الهيئة التأسيسية التي توجد شبه استحالة في اجتماعها مجدّداً قريباً.
على خطّ موازٍ، أجرى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفرنسي، إيمانول ماكرون، اتصالين، أمس، مع رئاستَي الحكومة المكلفة و«المجلس الرئاسي». وإن كان كلاهما اتصالاً روتينياً، فإن توقيتهما بعد زيارة رئيس مجلس النواب الليبي المنعقد في طبرق، عقيلة صالح، إلى القاهرة، عقب خسارة الأخير الانتخابات، ينبئ بنيّة للتصعيد ضدّ الحكومة في حال خروجها عن الحياد مع جيرانها، ولا سيما في ظلّ ما تراه القاهرة ابتزازاً تركياً مبكراً منذ إعلان نتيجة الانتخابات. أيّاً يكن، يبدو نظرياً أن الجميع يرغبون في نجاح الحكومة الانتقالية في مهمّتها، وتسليم السلطة لحكومة جديدة منتخبة، لكن عملياً التحالفات مستمرّة، وهناك ترقّب لأمور عديدة ليست حصراً التشكيل الحكومي، بل أيضاً توزيع المناصب القيادية في السلطة على مختلف الأقاليم. كذلك، ثمّة أزمة المرتزقة التي تجري مناقشتها باستفاضة عبر اللقاءات العسكرية، وخصوصاً بعد الاستعداد لفتح طريق الساحل وإزالة الألغام المزروعة خلال الاقتتال.
وكانت زيارة صالح إلى مصر معلنة، حيث التقى قادة في جهاز المخابرات الحربية، وآخرين عسكريين، إلى جانب مسؤولين سياسيين لم تُكشف هوياتهم، على أن تتواصل جولاته واتصالاته الخارجية قريباً لتشمل عواصم أوروبية بينها باريس، مع سعيه إلى حصول الحكومة الجديدة على ثقة مجلس النواب لا «ملتقى الحوار» الذي سيكون الخيار الثاني في حال تعذّر اجتماع البرلمان.