لم يكن الترحيب العربي والدولي بالسلطة الجديدة في ليبيا، والتي انتخبها «ملتقى الحوار السياسي»، سوى جزء من صورة تعكس توافقاً دولياً حول الآلية المقترحة لتشكيل سلطة يمكنها التفاوض مع «المجتمع الدولي»، وذلك لخلافة حكومة «الوفاق الوطني» من جهة، وإرضاءً للأطراف المناهضة للتحالف الطرابلسي ــــ التركي من جهة أخرى. لكن الواقع على الأرض يبدو مختلفاً، إذ تسود حالة من الترقب والحذر لدى العديد من الأطراف العربية والدولية، لا تشكيكاً في قدرة الحكومة الجديدة على أداء مهمّاتها من دون قيود على قراراتها، بل لطبيعة العلاقات التي ستصوغها مع «المجتمع الدولي»، ولا سيما بعد الترحيب التركي بالنظام الذي ترتبط أنقرة بعلاقات قوية مع غالبية أعضائه، على عكس مصر والإمارات وفرنسا (راجع عدد السبت).

تمكن ملاحظة ذلك في ردّ الفعل السريع من الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الذي سارع إلى التواصل مع رئيس الحكومة الجديدة حتى قبل تشكيلها، وأعلن بعد الاتصال أنه لا نية لتعديل الاتفاقات بين الجانبين، ما يخيف القاهرة وحلفاءها من تكرار نموذج «الوفاق»، لكن بأسماء جديدة، ولا سيما مع صعوبة إجراء الانتخابات في موعدها المعلن (24/12/2021)، وإدراك الجميع تلك الحقيقة ذلك بسبب العقبات الكثيرة التي لا تزال ماثلة. وتتمثّل أولى العقبات الجديدة في مقرّ انعقاد جلسة مجلس النواب التي يفترض أن تمنح الثقة للحكومة؛ فرئيس البرلمان، عقيلة صالح، الذي خاض الانتخابات وخسرها في الجولة الأخيرة، لم يبدِ موقفاً حاسماً بشأن الانعقاد في العاصمة أو موقع آخر، فيما صدرت بيانات عدة من النواب، بعضها يدعو إلى الانعقاد في طرابلس، وأخرى في سرت، وثالثة في بنغازي.
مهما يكن، يمكن منح الثقة للحكومة عبر «ملتقى الحوار»، في سيناريو بديل وضعته الأمم المتحدة التي توقّعت أزمة المجلس، وخاصة أن صالح يخشى فقدان منصبه في ظلّ دعوات نواب إلى إجراء تصويت على رئاسة البرلمان، مع أنه جرت طمأنته بالدعوة إلى انعقاد الجلسة في العاصمة والالتزام بمناقشة منح الثقة للحكومة، حصراً، على جدول الأعمال، من دون بنود أخرى. وبينما تستضيف مدينة الغردقة، اليوم، جولة جديدة من مفاوضات المسار الدستوري، تسود حالة من الترقب لمخرجات اللقاء، ولا سيما أن قضايا كثيرة لا تزال عالقة، بينها مسوّدة الدستور التي سيجري التصويت عليها، ومدى إمكانية التعديل على الدستور الذي أقرّته الهيئة التأسيسية منذ أكثر من ثلاثة أعوام ولم يجرِ التصويت عليه حتى الآن. وغالبية أعضاء الهيئة لا يرون إمكانية لتعديل الدستور المقترَح، ولا سيما مع صعوبة التوافق على الاجتماع مجدّداً بكامل الهيئة.

تريد قوات حفتر اختبار السلطة الجديدة قبل تقديم أيّ تنازلات


ويسود ترقب لما ستخرجه هذه المفاوضات، في ظلّ توقّع، وإن كان بعيد المدى، بأن هذا المسار سوف يتعقّد جرّاء رفض الدستور والتعديلات، وهو سيناريو لم تضعه البعثة الأممية في حساباتها. وعلى رغم اشتراط التصويت على الدستور قبل الانتخابات، ثمة أمور غامضة قد تُحوّل 24 كانون الأول/ ديسمبر المقبل من موعد للانتخابات إلى موعد للتصويت على الدستور، ولا سيما إذا استمرّت جلسات المسار الدستوري طويلاً، كما أن هناك ترقباً للتغييرات في المناصب السيادية، وتحديداً «مفوضية الانتخابات» والقضاء. والأخيران يمثّلان نقطة بارزة، ليس لجهة تغيير المسؤولين، وإنما في التفاصيل الإجرائية، ومنها التفاهم حول مَن يحقّ له التصويت في الاستفتاء، وفتح الباب أمام تعديلات جداول الناخبين سواء بإضافة مَن بلغ 18 عاماً أو استبعاد المتوفّين وإضافات غير المسجلين، وكلّها قضايا جدلية تزداد حدّة مع الاتهامات بتزوير هويات لمرتزقة وأصحاب جنسيات أخرى من أجل إحداث تعديل في الخريطة الديموغرافية.
على جانب آخر، يبقى المسار العسكري الأسهل من الناحية النظرية، لكن في الواقع الأمر مختلف، إذ على رغم ترحيب قوات خليفة حفتر بالسلطة الجديدة والتعهّد بالتعاون معها، وهو ما تزامن مع اتخاذ اللجنة العسكرية «5+5» قراراً بتسهيل الحركة وفتح الطريق الساحلي، فإن حالة الترقب ترتبط بطبيعة التواصل بين حفتر والقيادة الجديدة. فالأوّل يُجهّز سلسلة مطالب قبل تقديم تنازلات من جانبه لتوحيد المؤسسة العسكرية وخضوعها لسلطة «المجلس الرئاسي». في مقدمة هذه الطلبات ضمان الحماية والبقاء للقيادات الحالية، وهي خطوة تتبعها تفاصيل كثيرة تجري صياغتها، فضلاً عن بقاء التشكيلات الحالية من دون تغيير حتى إشعار آخر، طبعاً مع رفض دمج المرتزقة وتسهيل تحوّل آخرين إلى الأعمال المدنية.
ووفق مصادر في قوات حفتر، هم يترقّبون التواصل الأول، وما سيتبعه من نقاشات مباشرة أو غير مباشرة، إلى جانب ما يجري من مباحثات في «5+5»، لكنهم يعلّقون آمالاً كبيرة على إنهاء الاقتتال وتقديم كلّ طرف تنازلات ترضي الآخر، ولا سيما مع بدء وساطات عربية ودولية قوية خلال الساعات الماضية. واللافت أن مطالب إخراج المرتزقة ستجعل السلطة الجديدة في حماية حفتر ورفاقه، وهو الضمان الوحيد من وجهة نظرهم لإثبات حسن النية، مع قبولهم إبقاء عدد محدود من الميليشيات وتبعيتها لرئيس الوزراء في إطار جهاز شرطي لا عسكري، على أن يكون ذلك حلّاً وسطاً يضمن منع تجدّد المعارك. ويبقى إخراج العدد الأكبر من الميليشيات هو المشكلة والمطلب الذي جرى التوافق عليه من دون تحديد آلية لتنفيذه حتى الآن.