نابلس | رحل الكاتب والمحلل السياسي، «المقاتل على زناد الكلمة»، والمكافح ضد اتفاق أوسلو حتى الرمق الأخير، عبد الستار قاسم. قضى الرجل بفيروس «كورونا» المستجدّ بعد أسبوعين من إصابته. ومع أنه لم يمتشق البندقية، فإنه رحل بوداعٍ كالقادة، إذ نعاه شعبه وفصائل عديدة في الجنازة حضوراً، وعجّت وسائل التواصل الاجتماعي بسرد مواقفه الثابتة وكلماته الوطنية. «صاحب كلمة الحق» هو الوصف الأكثر شيوعاً في رثاء الناس له، خاصة أنه لم ينحَز يوماً إلى صف «السلام واتفاق أوسلو»، بل مكّنته فراسته من مغادرة صفوف «فتح» بعد سنوات قصيرة من انتمائه إلى الثورة الفلسطينية، ليقضي الرجل سنوات حياته منظّراً ضد «أوسلو» ومؤمناً بالمقاومة و«الاعتماد على الذات».

ظل قاسم ثابتاً رغم بطش العدو الإسرائيلي به وملاحقة السلطة الفلسطينية له، وهو من قلة من المثقفين والشخصيات النخبوية التي استمرت في انتقاد «أوسلو» والهجوم على السلطة الفلسطينية من دون توقف. حتى في مراحل معينة كالانقسام بين «فتح» و«حماس»، بقي الشخصية الوحيدة غير الحزبية التي تهاجم «النهج التفاوضي الاستسلامي» بصوت عالٍ في الضفة. ومنذ 1979 وقاسم يتكلم بوضوح، وخطّ كتاباً بعنوان «سقوط ملك الملوك» (في إشارة إلى شاه إيران)، تنبأ فيه باعتراف «منظمة التحرير» بإسرائيل، فقال: «كانت الكتابة آنذاك ضرباً من ضروب الكفر والتشكيك في الثورة والثوار، لكنني كنت واضحاً وأعي أن مثل هذه القيادة لن تقود الشعب الفلسطيني إلا إلى الاستسلام».
لم يولِ الراحل اهتماماً لمشروع الدولة التي تنادي بها السلطة، فهو يرى أن المشكلة الأولى هي حق تقرير المصير لا الدولة، وأيضاً عودة اللاجئين... «أما الدولة، فيصنعها الناس». ويضيف: «الكذبة العظيمة هي محاولة إرضاء العالم والسعي إلى إثبات أن الفلسطيني ألين وأكثر مرونة من الإسرائيليين، مع أن هذا العالم هو الذي شرّد شعبي ومنح فلسطين لليهود». ومع أنه يتماهى مع نبض الشعب، يبدو تارة يائساً و«يغسل يده من قيادة السلطة والفصائل كلها»، وتارةً أخرى يعود إليه الأمل: «لقد أعاد المقاتلون في غزة قضيتنا الفلسطينية إلى مكانتها الحقة التي فقدتها بفعل بعض الفلسطينيين المتآمرين وبعض الأنظمة المتعاونة مع إسرائيل». وخلال تلك الحرب، اعتقله العدو لأسبوع بسبب مواقفه وتصريحاته.

ملاحقة مُركّبة
ينحدر قاسم من بلدة دير الغصون شمال طولكرم وهو من مواليدها إبان النكبة في 1948، وحاز البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في مصر، ثم نال الماجيستر في العلوم السياسية من جامعة ولاية كنساس، إضافة إلى الماجيستر في الاقتصاد من جامعة ميزوري، ثم الدكتوراة في الفلسفة السياسية من الجامعة نفسها عام 1977. عاد إلى عمّان وعمل محاضراً قبل أن يُفصل من الجامعة الأردنية عام 1979 ويُسحب منه جواز سفره الأردني. بعد فصله عاد إلى فلسطين محاضراً في جامعة النجاح الوطنية في نابلس منذ 1980، كما عمل محاضراً غير متفرغ في جامعتي القدس وبيرزيت، وخلال الانتفاضة الأولى اعتقله العدو الإسرائيلي أربع مرات إدارياً ثم وضعه قيد الإقامة الجبرية، وقد مُنِع من السفر نهائياً، ليأتي عهد السلطة ويتكرر اعتقاله أيضاً. الاعتقال الأبرز خلال حكم ياسر عرفات جاء في نهاية التسعينيات بسبب إصدار «بيان العشرين» الذي صاغته شخصيات ونخب تطالب عرفات بمكافحة الفساد وتنفيذ إصلاحات في السلطة.
منع السفر والاعتقالات ليسا الأسلوبين القمعيين الوحيدين اللذين تعرّض لهما، بل أُطلقت عليه النار مراراً من بنادق لم ترُقها كلماته. أول حادثة كانت عام 1995، وأصيب آنذاك بأربع رصاصات، ليتّهم جهاز المخابرات، كما أحرق «زعران محسوبون على السلطة» مركبته. وفي 2014، تعرض لمحاولة اغتيال جديدة في نابلس خلال توجهه لإجراء لقاء تلفزيوني. وقبل محاولة الاغتيال الأخيرة، قال قاسم في لقاء متلفز: «سأبقى صامداً، وأعدكم بذلك». وفعلاً وعد ووفى، إذ ظل ثابتاً على مواقفه؛ ففي 2016، أطّل بتصريحات أثارت الجدل وفجّرت غضب السلطة وأمنها حين اتهمه «تلفزيون فلسطين» الرسمي و«فتح» بأنه يدعو إلى قتل محمود عباس، في تصريح إلى «فضائية القدس» آنذاك. القصة أنه خلال استطراده في الحديث عن السلطة ورئيسها، قال إن المواد من 130 حتى 141 في «القانون الثوري لمنظمة التحرير»، الذي ما زال معمولاً به، تنص على أن عقوبة التقارب مع إسرائيل أو التحريض على الثورة والثوار هي الإعدام رمياً بالرصاص! وسريعاً جاء الاعتقال قبل أن يقُدّم للمحاكمة ثم ينال البراءة.

نموذج الانتفاضة الأولى
المتتبّع سيرة الرجل وطروحاته يجدها قائمة على الدعوة إلى نموذج الانتفاضة الأولى؛ فقد كان يجيب كل مرة عن سؤال «ما العمل وكيف يواجه الفلسطينيون؟» بأن سياسة الاعتماد على الذات ضرورية لتحرير الإرادة السياسية وتحرير رغيف الخبز. ويقول: «لا يمكن أن تكون حراً وتواجه الاحتلال وأنت تأكل من خير غيرك»، رافضاً الارتهان للخارج بأي حال، بل كان يهاجم المنح والمساعدات الدولية. أما في الجامعة، فيستذكره طلبة مقرر «الدراسات الفلسطينية» التي كان يُدرّسها، ويرسمون مفارقةً بين أسلوبه والأساتذة الآخرين. يقول أحدهم: «درّس طلابه المادة من منظور التغريبة الفلسطينية وسرد المحطات التاريخية للقضية منذ حقبة الإقطاع وصولاً إلى الحاضر، بعكس أساتذة آخرين تخطّوا محطات مهمة في تاريخ شعبنا». الصحافيون كذلك لهم نصيب من الذكريات مع قاسم، فالرجل «مشهود له بأنه لم يُغلق سماعة الهاتف في وجه أحد»، بل يتجاوب مع كل المقابلات بجرأة ومن دون تهرّب. وخلال حياته الأكاديمية، حصل على «جائزة عبد الحميد شومان للعلماء الشبان العرب»، وله 25 كتاباً و130 بحثاً أكاديمياً وآلاف المقالات.
كان لافتاً أنه في 2005 أعلن نيته الترشح مستقلاً لانتخابات رئاسة السلطة، لكنه انسحب بعد أسابيع لأنه رأى أن العملية «غير قائمة على أسس الانتخابات الحرة والنزيهة، ولغياب روح التنافس الحر والأمين». ومع بدء الحديث عن إجراء انتخابات تشريعية (برلمانية) في السنوات الماضية، تحمس لتشكيل قائمة من المستقلين والنخبة تكون سنداً للمقاومة. وفي 2018، عاد للهجوم على عباس، مطالباً إياه بالرحيل وباحترام القانون الأساسي للسلطة والقانون الثوري، وبالقبض عليه ومحاكمته لكونه غير شرعي. وإبّان إعلان العدو نيته تنفيذ خطة الضم، خلص إلى القول: «نحن عراة! كان لنا هيبة وشأن واحترام، والآن نفتقد كل ذلك على كل المستويات، ولنستطيع المواجهة نحن بحاجة إلى سنين من الإعداد لتصبح بيئة الضفة وطنية وصالحة للمواجهة، والسلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني تعاونا لتحطيم البعد الوطني عند الناس». ثم خلال إعلان السلطة وقف «التنسيق الأمني» من طرف واحد، قال قاسم: «المسؤول دائماً يُزيّن الوضع ويزخرفه ليجعله مقبولاً في أعين الآخرين، وهذه المسألة لم تبدأ مع اتفاق أوسلو، بل منذ 1967 وتنقّل الثورة الفلسطينية في الأقطار العربية... للأسف الشديد المسؤول لا يقرأ ولا يريد أن يستمع، لأنه كالحكام العرب يعتبر نفسه أبو العريف ولا يستمع لآراء مفكرين ومثقفين... نحن بحاجة إلى إعادة بناء المجتمع والإنسان الفلسطيني، والقيادة القائمة حالياً لا تصلح لإعادة البناء». كما كان رافضاً الاعتقالات السياسية، سواء في الضفة أم غزة، لأن «اعتقال الفلسطيني بسبب انتمائه هو إساءة إلى شعبنا ويؤدي إلى تمزيق مجتمعنا أكثر».