آن لي أن أصرخ الآن

وأن أُسقط عن صوتي قناع الكلمة:
«هذه زنزانة، يا سيدي، لا محكمة،
وأنا الشاهد والقاضي، وأنت الهيئة المتّهمة،
فاترك المقعد، واذهب: أنت حرّ أنت حرّ!
أيها القاضي السجين».
وحدهما المقصلة والسجن، مصير الثائرين، بعد الخيبة.
لذا، ربما بكينا وقت احتفال الآخرين بالتنحّي.
رأينا القادم أبكر:
سلّم الساقط سلطته لكلابه الذين لم يسقطوا بعد،
بقي النظام، في أشرس صوره، فقط، لينتقم...
مشهد سخيف لفرط تكراره.
كُتب التاريخ تضجّ بمثله في كلّ عصر ومصر،
لكن من مكمنه يُؤتى الحذر.
الثائر ــ أصلاً ــ يقضي مع فشل ثورته (قتلاً أو كمداً)
والأسوأ حظاً ذلك الذي يبقى حياً بعد التعثّر (مصاباً، معتقلاً، أو مجرّد مهزوم).
تتجدّد هزيمته شخصياً مع كل موقف انتقام، أو خطاب تشفٍّ،
أو نهش في جثمان ثورته المسجاة.
يتحول إلى دائرة تصويب تتلقّى سهام الحقد والكراهية سهماً سهماً
بثباتٍ يليق بالثورة، أو بانكسار يناسب الخيبة.
ربما يخفف ثقل الحال، لو قليلاً، أنّه كان مخيراً بين قطف ثمار القبول بالهزيمة،
وبين التمسك بجمال المُحال في مواجهة قبح الواقع.
ولكلّ منهما نهاية على طرف نقيض من الأخرى:
ــ تستوعبه الحظيرة الرسمية، مستخدماً أو نشطاً أو خاملاً بعد استخدامه.
ــ يستوعبه قبر أو قفص اتهام هو وما يحمل من أفكار وتطلعات وثورة.
خارج القفص، سيقف الخصوم، كلّ في دوره، يتبارون في التنكيل، انتقاماً من «الحادث» الذي هدّد مصالحهم ووجودهم.
ربما لا يعنيهم شخصه الضئيل، بقدر هذه الثورة/الجريمة، التي يريدونها فوق الصليب، مثالاً رادعاً لكل من يخطر بباله القدوم على تكرار ــ مجرد ــ الحنين لتلك اللحظة.
وبقدر ما يعنيهم محوها من الذاكرة تجاهلاً ثم استنساخاً ركيكاً أو حتى تمييعاً وتفريغاً من كل مضمون، وقبل ذلك كله، ومعه، سحقها وصنّاعها.
وهو، في القفص، لم يزل
يثق في صبح طالما بشّر الناس به،
ويحكي ــ صامتاً ــ حكاية الاقتراب من الحلم إلى هذا الحد،
واحتقار أرواح الناس بعدها إلى هذا الحد.
تتمثل فيه (كنهاً ومصيراً) ثورة تُحاكَم لأنها قامت، وجمهور يجرّم تجمهره،
بعيداً ممّا ارتكب على هامشه من حماقات.
هذه هي الحال!
السيناريو ــ بقساوته ولا إنسانيته ــ يسير حرفياً، تحت سقف التوقّع.
لا داعي ــ مطلقاً ــ للاستغراب...
اللهم إلا أن ينسى الناس «فجأة» أو يتناسوا
«من» يحاكم «من»... و«لماذا»؟
هذا هو السؤال.

* متحدّث سابق باسم «ائتلاف شباب الثورة»، ومحكوم الآن بالسجن 15 سنة.