القاهرة | مفارقة غريبة أن يثير دونالد ترامب مسألة المساعدات العسكرية لمصر؛ فالرئيس الأميركي الذي أفرج عن مساعدات سابقة احتجزتها إدارة باراك أوباما، هو نفسه اليوم الذي يتحدّث عن احتمالية توجيه مصري لأموال هذه المساعدات لشراء أسلحة روسية ستنضمّ إلى الجيش المصري قريباً. ويستبطن حديث ترامب خلطاً كبيراً؛ إذ إن مبلغ 1.3 مليار دولار المخصّص للمساعدات العسكرية سنوياً من الولايات المتحدة بموجب اتفاقية «كامب ديفيد» لا يُمنح نقداً، بل بصورة آليات وقطع غيار عسكرية للأسلحة الموجودة في الجيش.

وقبل عامين فقط، أعاد ترامب هذه المساعدات التي اقتطعتها إدارة سلفه خلال السنوات التي أعقبت «ثورة 25 يناير»، وهو ما جاء ضمن صفقة كان يفترض أن تتمّ لكنها تعثّرت من جرّاء حصول القاهرة على سلاح أميركي بصفقات تبرمها والشركات الأميركية مباشرة، ثمّ تَسّبب توقّفها في توتر العلاقات مطلع العام الجاري. والظاهر أن الرئيس الذي زعم أن مصر تشتري بمساعدات بلاده معدّات روسية يريد إعادة الجدل حول الصفقة المصرية - الروسية لشراء مقاتلات «سوخوي - سو 35» التي هدّدت واشنطن بعقوبات في حال إتمامها، تخوّفاً من كونها ستقلب موازين القوى في المنطقة. وفي هذا الإطار، تقول مصادر مواكبة إن التوجّه المصري نحو موسكو جاء أصلاً نتيجة استمرار الرفض الأميركي لحصول الجيش المصري على طائرات «إف - 35»، كي يُضمن «التفوق النوعي لإسرائيل في المنطقة».
وجاء كلام ترامب خلال مناقشة الكونغرس أمس مشروع قانون إغاثة الأميركيين، الذي سيوقف نحو 300 مليون دولار من أصل نحو 1.5 مليار تحصل عليها مصر سنوياً ويُوجّه نحو 90% منها إلى الإنفاق العسكري، فيما تُنفّذ بباقي الأموال مشروعات تخضع للرقابة والتمويل المباشر من «هيئة المعونة الأميركية» في القاهرة، إذ لا تحصل الحكومة على أموال منها. ورهن الكونغرس، بدوره، إعادة المبلغ المحجوب من المساعدات بتسلّم تقرير يؤكد التزام القاهرة بـ«حقوق المرأة وتطبيق الإصلاحات التي تدعم حرية الرأي والتعبير ومحاسبة رجال الأعمال، فضلاً عن تحسين وضع السجناء السياسيين»، في خطوة من شأنها أن تعيد السجالات بين القاهرة وواشنطن خلال الأيام المقبلة، ولا سيما أن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يتحدّث حتى اليوم مع الرئيس المنتخَب جو بايدن.
وسط ذلك، تكشف مصادر، تحدّثت إلى «الأخبار»، عن عفو رئاسي مرتقب عن عدد من السجناء السياسيين، إلى جانب جملة تغييرات في المشهد الداخلي، بينها تسوية أوضاع بعض الجمعيات الحقوقية، وغيرها من الخطوات التي يمكن أن تسهم في فتح قنوات اتصال مع الإدارة الأميركية الجديدة. وعلى رغم اتجاه العسكريين المتقاعدين إلى انتقاد إدارة ترامب بموجب تكليفات مُوجّهة من «إدارة الشؤون المعنوية»، على قاعدة أن تصريحات الرئيس الأميركي هدفها «توتير العلاقة مع الإدارة الجديدة»، لا يزال الجيش يترقب ما ستسفر عنه الأمور بعد انتهاء الأعياد الحالية.
لكنّ القاهرة تخشى عقوبات أميركية بحق مسؤولين عسكريين مصريين، بالتزامن مع تسلّم الطائرات الروسية التي ستزوَّد حاملتا الطائرات «ميسترال» بها، علماً بأن الطائرات التي تُصنع خصّيصاً لمصر يسير جدول تسليمها وفق الاتفاق المُوقّع بين البلدين من دون أيّ تعديلات جوهرية. وبغضّ النظر عن تصريحات ترامب التي لن يكون لها تأثير جوهري في المساعدات المعتمدة للسنة المقبلة، فإن مصر مقبلة على خلاف في الرؤية مع الإدارة الجديدة التي لم تُبدِ رغبة في التواصل أو حتى استجابة لعدد من المبادرات المصرية تجاهها، وسط توقعات مصرية بإمكان إعادة النظر في المساعدات الأميركية عامة، من جرّاء اتفاقات التطبيع الأخيرة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا