تسارعت وتيرة الاستقطاب الإقليمي والدولي لأطراف النزاع الليبي أخيراً، على رغم التفاؤل الباهت عقب اتفاق هؤلاء على وقف دائم لإطلاق النار (تشرين الأول/ أكتوبر 2020)، ووضْع «خريطة طريق» أممية جديدة تنتهي بانتخابات في كانون الأول/ ديسمبر 2021. اتّضح ذلك في اختراقاتٍ متتالية لاتفاق وقف إطلاق النار في الشهر الجاري، تبادل المعنيّون في شأنها الاتهامات، التي برز من بينها حديث وزارة الدفاع في حكومة «الوفاق الوطني» عن «قيام حفتر مدعوماً بمرتزقة بشنّ هجمات جنوب البلاد»، وتهديدها، على لسان وزير الدفاع صلاح الدين النمروش، بسحب مفوّضية عسكرية كَوّنتها الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار إن استمرّت مثل هذه الانتهاكات.


الاستقطاب الدولي
انتقل الاستقطاب في الأزمة الليبية، منتصف كانون الأول/ ديسمبر الجاري، إلى أروقة مجلس الأمن، حيث برز الخلاف بين واشنطن وموسكو حول فرض الأولى عقوبات على جماعة «الكانيات» المسلّحة وقائدها محمد الكاني، والتي قاتلت إلى جانب قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر. عارضت موسكو الاقتراح الأميركي ــــ الألماني بحجّة رغبتها في الحصول على أدلّة إضافية على ارتكاب الجماعة جرائم حرب ضدّ مدنيين في مدينة ترهونة، عقب اكتشاف مقابر في المدينة في حزيران/ يونيو الفائت، فيما لجأت واشنطن، في المقابل، إلى فرض عقوبات أحادية على الجماعة. يؤشّر ذلك إلى حجم التهديدات المحدقة بمسار العملية السياسية، على رغم الالتزام المعنوي والأخلاقي للأمم المتحدة بالمضيّ نحو الانتخابات وإعلان النتائج.
وفي مقاربة تقليدية، يسود اقتناع لدى القوى الغربية بجدوى فكرة السماح بظهور رجل قوي أو حتى المساعدة في طرح اسم جديد في ليبيا، بغضّ النظر عما قادت إليه التجربة السابقة من سلبيّات، أبرزها تفاقم انتهاكات حقوق الإنسان والقفز فوق جهود التسوية من وقت إلى آخر، كما الحال في تجربة حفتر. وتقوم هذه الرؤية ــــ التي يبدو أنها ستظلّ حاكمة لمقاربة الغرب للأزمة ــــ على أن رجلاً قوياً سيتمكّن من مواجهة القضايا الملحّة غربياً، وفي مقدّمتها الإرهاب والهجرة. أمّا روسيا، فقد عزّزت مواقفها الراسخة بالفعل تجاه الأزمة الليبية ودعم حفتر وفريقه، وفق ما أظهره الاجتماع الأخير بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان، إذ أكد الأول سعي بلاده إلى محادثات إيجابية مع القاهرة وأبو ظبي حول ليبيا، وتعويلها على مبادرة مصر لمفاوضات مستقبلية في جنيف وخروج جميع المرتزقة الأجانب من ليبيا، وهي المبادرة التي تحظى حتى الآن بدعم السعودية والإمارات وروسيا والأردن والبحرين. كما شدد لافروف على ضرورة العودة إلى أسباب الأزمة، في إدانة مألوفة من موسكو للتدخل الغربي في الشأن الليبي وإسقاط الزعيم الراحل معمر القذافي. من جهته، رأى آل نهيان، في لغة انتقائية بشكل صارخ، أن «الجماعات المتطرّفة تهيمن على المشهد السياسي الليبي»، وأن «معالجة مسألة التطرّف والكراهية في الإقليم مسألة ملحّة»، مضيفاً إن بلاده لا تريد أن ترى الإقليم «مكدّساً بأسلحة الدمار الشامل»، ما يوحي بتأليب أبو ظبي للقوى الخارجية على إعادة الانخراط العسكري في الأزمة لتفادي ما تعتبره سيناريو كارثياً، ويُذكّر على نحو هزلي بإرهاصات إسقاط نظام القذافي.

«الوفاق» تقفز فوق مسار التسوية؟
برزت عدّة شخصيات داخل «الوفاق» يمكن عدّها من «الصقور». من هؤلاء وزير الدفاع صلاح الدين النمروش، الذي بادر، في مباغتة لمسار التسوية، إلى إعلان «شكوكه الكبيرة» في إمكانية عقد الانتخابات بحلول كانون الأول/ ديسمبر المقبل بمقتضى منتدى حوار وطني ليبي برعاية الأمم المتحدة، مستبعداً أيّ دور مستقبلي لخليفة حفتر في أيّ اتفاق سياسي كونه «مجرم حرب» يجب أن يُزجّ به في السجن. كما عقد النمروش مع السفير الإيطالي في طرابلس، جوزيبي بوتشينو، اجتماعاً لمناقشة متطلّبات تفعيل اتفاق التعاون العسكري ــــ الفني المشترك المُوقّع مطلع كانون الأول/ ديسمبر الجاري في روما بين وزارتَي الدفاع الليبية والإيطالية. وتُمثّل خطوات النمروش استباقاً لأيّ محاصصة في السلطة، ودفعاً لوجه عسكري مقبول دولياً في المرحلة المقبلة.

يحظى ملفّ قطاع النفط في الوقت الراهن بالاهتمام الأكبر بين القوى الإقليمية والدولية


تضاف إلى ذلك الأدوار المتعددة لوزير الداخلية في «الوفاق»، فتحي باشاغا، الذي حضر في قلب الاهتمام الأميركي بإعادة ترتيب مقاربة واشنطن تجاه ليبيا، ترجيح كفّة مكوّنات «الوفاق» في المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، عقد السفير الأميركي في ليبيا، ريتشارد نورلاند، اجتماعاً موسّعاً مع باشاغا، بحضور أحمد علي أبو شامة، رئيس غرفة عمليات عملية «بركان الغضب» وأعضاء لجنة «5+5»، ناقشوا فيه آفاق التعاون بين طرابلس وواشنطن وخاصة في المجال الأمني وعدداً من القضايا ذات الاهتمام المشترك»، كما تناولوا الوضعين الأمني والسياسي عقب التطوّرات الأخيرة ومخرجات حوار «5 +5» الذي انعقد في غدامس، الأمر الذي عزّز دور باشاغا، بالتزامن مع وصول تقارير عن توقيع وزارته مذكّرة تفاهم مع «مركز جنيف لحوكمة القطاع الأمني» (Geneva Centre for Security Sector Governance) بهدف إصلاح المؤسّسات الأمنية الليبية. وتأتي تحرّكات «الوفاق» الاستباقية في الوقت الذي قدّمت فيه تركيا اقتراحاً مثيراً للجدل (12 كانون الأول/ ديسمبر) لتمديد نشر القوات التركية في ليبيا لمدّة عام ونصف عام.

الملف الاقتصادي ودعم التسوية
يحظى ملفّ قطاع النفط الليبي ــــ في الوقت الراهن ــــ بالاهتمام الأكبر بين القوى الإقليمية والدولية المعنيّة بالأزمة الليبية، ولا سيّما في ظلّ التهديدات المتصاعدة لإمداداته بعد الخلافات بين الفصائل المتنافسة داخل المؤسّسة المالية في البلاد. وقد ورد، مطلع كانون الأول/ ديسمبر الجاري، أن ليبيا تنتج 1.3 مليون برميل يومياً، وهو رقم كاف لإثارة قلق صنّاع السياسات في «أوبك». ويهدّد النزاع حول السيطرة على المصرف الليبي الخارجي «LBF»، المعنيّ بتلقّي أموال مبيعات البترول وتمرير العمليات للمصرف المركزي، بوقف تلقّي عائدات البترول وإيقاف الإنتاج مجدّداً. كما قاد التباين في أسعار الصرف في المناطق التي تسيطر عليها «الوفاق»، عن تلك الخاضعة لسيطرة قوات موالية لحفتر، إلى إصابة القطاع المصرفي الليبي بالشلل، ولا سيما بعد فترة ركود ترتّبت على قرار حفتر حصار مرافق البترول في الفترة الواقعة بين كانون الثاني/ يناير 2019 وأيلول/ سبتمبر 2020، أبرزها تدهور عائدات البترول الليبي، بينما أدّى الافتقار إلى سياسة مالية موحّدة ونهب الاحتياطات الأجنبية إلى معدّل مقلق من التضخم، وتشوّه الديون، وتفاقم عجز الحكومة عن تقديم الخدمات الأساسية.
وفي مسعى لحلحلة هذه الأزمة، انعقد مجلس إدارة المصرف المركزي الليبي (16 كانون الأول/ ديسمبر)، للمرّة الأولى منذ خمسة أعوام، لتناول مسألة توحيد سعر الصرف، برعاية الأمم المتحدة التي حثّت لوقت طويل على ضرورة إعادة توحيد المؤسّسات الاقتصادية المنقسمة في ليبيا كجزء من جهود تسوية النزاع السياسي في البلاد. وأقرّ المجلس، بالإجماع، سعر صرف رسمي ثابتاً (4.48 دنانير مقابل الدولار الواحد)، على أن يسري القرار بحلول 3 كانون الثاني/ يناير المقبل، الأمر الذي يُتوقّع معه تحقيق قدر من الانضباط في التعاملات المالية في ليبيا.

المقاربة المصرية: الاستجابة لمخاوف مشروعة
على رغم تشابك المقاربة المصرية في ليبيا، فإن أداء القاهرة بدا أكثر اتّزاناً وقدرة على تفهّم احتياجات أطراف الأزمة الليبية كافة. واتّساقاً مع هذا الأداء المعقول، حظيت مصر، في منتصف كانون الأول/ ديسمبر، برئاسة اجتماعين مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لمناقشة مستقبل الاقتصاد الليبي ومسار تكوين ثلاث لجان اقتصادية، هي لجنة مصرفية لمواجهة الانقسام في النظام المصرفي؛ ولجنة توزيع الدخل العام وإدارة الصندوق العام؛ ولجنة إعادة البناء والتنمية. كما عمدت مصر إلى تنشيط صلتها بفرنسا في مقاربة الملفّ الليبي، ما اعتُبر تحدّياً أمام تفكيك الاستقطاب الحالي. وحضرت المسألة في قلب قمّة الرئيسين عبد الفتاح السيسي وإيمانويل ماكرون (كانون الأول/ ديسمبر 2020)، إلى جانب ملفّات مواجهة الأصولية الإسلامية ورفض التوسّع التركي في الإقليم. واتّضحت نجاعة سياسة القاهرة في دعم باريس الرسمي لموقفها في كون التسوية السياسية هي السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في ليبيا، مع وجوب مغادرة جميع الميليشيات الأجنبية البلاد، وفق الاتفاق الذي توصّلت إليه «5 + 5». وتزامنت زيارة السيسي لباريس مع زيارة حفتر للقاهرة لمناقشة مستقبل ليبيا وتطوّرات التحرّكات التركية (أهمّها مواصلة أنقرة رحلاتها الجوية إلى طرابلس ونقل المرتزقة ودعمهم) ومحاولات بعض الأطراف إعاقة العملية (السياسية). وحظيت ليبيا، حسب محلّلين مطّلعين، بنقاش مطول بين الرئيسين، فيما لم يعمد السيسي إلى مناقشة ملفات أخرى مثل السودان وسد النهضة.

خلاصة
بدت، إجمالاً، دلائل فشل مبكر في العملية السياسية الحالية، في إخفاق الفصائل الليبية المشاركة في «ملتقى الحوار السياسي» في الاتفاق على آليات تعيين سلطة جديدة، أو حكومة انتقالية لقيادة البلاد، وصولاً إلى الانتخابات في كانون الأول/ ديسمبر 2021. وبينما أسفرت محادثات جنيف عن اتفاق الأطراف الليبية المتصارعة على وجوب مغادرة العناصر الأجنبية المسلّحة العاملة في ليبيا، بِمَن فيهم المرتزقة السوريون والأتراك وعناصر «فاغنر غروب» الروسية، والوحدات السودانية والتشادية، فإن القوّتين الفاعلتين في هذا الوضع، وهما تركيا وروسيا، أبعد ما تكونان عن الالتزام بمقرّرات هذه المحادثات.
من جهة أخرى، وبينما مثّل تراجع حفتر إلى نصف البلاد الشرقي فرصة جيّدة للاستقرار في ليبيا ــــ بعد تهديد مستمرّ لطرابلس طوال عامين ــــ، فإن حقيقة استمرار وجوده كشخصية نافذة وقوية للغاية تدفع ــــ في رأي عدد كبير من الخبراء ــــ إلى الحاجة لتبنّي نظام مختلط، بمعنى مقاربة مسائل الحكم والأمن والتشارك في عائدات الثروة البترولية على أساس توزيع المدن الليبية، ولا سيما في الغرب والجنوب، مع احتفاظ حفتر بدرجة معيّنة من السيطرة في الشرق، اعترافاً بالحقائق على الأرض وتوزيعاً عملياً للسلطة في ليبيا، لتجاوز المأزق الحالي، وهو ما يعني ترجيح سيناريو تكريس المحاصصة في الفترة المقبلة، وإعادة إنتاج الضغوط على الدولة الليبية ككلّ، كما اتضح في دلالات وتوقيت توجيه واشنطن لائحة اتهام للخبير الليبي، أبو عقيلة محمد مسعود، المحتجز لدى سلطات «الوفاق»، بصنع القنبلة التي أدت إلى تفجير طائرة «البان ام - 103» فوق بلدة لوكيربي الاسكتلندية عام 1988.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا