بغداد | ليست الخلافات الداخلية في «إقليم كردستان» جديدة، بل هي متجذّرة منذ تسعينيات القرن الماضي، حيث الحرب الأهلية (1994 – 1998) التي نشبت بين حلفاء اليوم؛ أي «الاتحاد الوطني الكردستاني» (أبناء الراحل جلال طالباني ورفاقه) و«الحزب الديمقراطي الكردستاني» (بزعامة مسعود بارزاني، وعشيرته) في عدد من المحافظات الشمالية («الإقليم» اليوم)، المعروفة – آنذاك - بـ«محافظات الحكم الذاتي». وعلى رغم أن العلاقات بين الشريكين عادت إلى طبيعتها بعد اتفاق رعته الولايات المتحدة، أفضى إلى وقف إطلاق النار وتقاسم «كعكة» الحكم في «الإقليم» (احتفظ الطالبانيون بالسليمانية ومحيطها، فيما أحكم البارزانيون سيطرتهم على العاصمة أربيل ومحيطها)، إلا أن تصدّعات «البيت الكردي»، والتي برزت بُعيد سقوط نظام صدام حسين (نيسان/ أبريل 2003) واحتلال القوات الأميركية للبلاد، ساهمت في انشقاق/ ولادة تنظيمات معارضة للثنائية الحاكمة، في مقدّمتها «حركة التغيير» (كوران).

ولئن عوّل معارضو الثنائي الحاكم على حراك «كوران»، إلا أنهم أصيبوا بخيبة أملٍ بعد إبرام الحركة اتفاقيّات عدّة مع أصحاب السلطة، في مسعىً واضحٍ للظفر بمكتسبات سياسية واقتصادية. هكذا، بدّلت «كوران» سياستها، مبتعدةً عن دعمها السابق لتحرّكات الشارع. مع ذلك، لم تتوقّف حركة الانشقاقات، بل برزت في الآونة الأخيرة تنظيمات ولدت من رحم الأحزاب الكردية التقليدية، رافعةً شعار المعارضة. آخرها كانت «حركة الجيل الجديد» برئاسة شاسوار عبد الواحد، والتي تميّزت ببنية شبابية مرنة. وضعت الحركة تصوّراً لآليات ترميم «البيت الكردي»، وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، وتطبيق بنود الدستور العراقي، وتجنيب المواطن الكردي مآلات الخلافات بين حكومتَي المركز و«الإقليم»، متصدّيةً بمهمّة تحريك الشارع، ودعم الاحتجاجات.
لم يكن مشهد «الاستقرار» الذي حرص الثنائي الحاكم وإعلامه على تصديره طوال السنوات الماضية إلّا رماداً يخفي نيراناً أوقدت ببطء على يد المعارضين والمنشقين. وما أحداث الأيام القليلة الماضية إلا ترجمان لغضب مكبوت، فجّره عجز حكّام «الإقليم» عن توفير رواتب موظفي القطاع العام، فضلاً عن تردّي الأوضاع الاقتصادية بشكلٍ مهول. يعيش «الإقليم» حالةً من الفوضى بسبب تظاهرات غاضبة شهدتها مدن وبلدات محافظتَي السليمانية وحلبجة، وهي حالة لا يمكن أن تصل إلى محافظة أربيل، بسبب بطش السلطة الحاكمة هناك، واستعدادها لقمع الأصوات المعارضة مباشرة. وتعتقد عضو مجلس النواب، آلا طالباني، أن «استمرار الأزمة مؤشّر إلى خطرٍ قادم يهدّد كلّ أرجاء الإقليم»، داعيةً في حديثها إلى «الأخبار» إلى «إيقاف العنف المرافق للاحتجاجات المطلبية الحقّة، حتى يتخذ أصحاب القرار في محافظة السليمانية موقفاً آخر».
وترتبط التطورات الأخيرة، في جزء منها، بالأزمة المالية التي ضربت البلاد عقب تفشّي جائحة كورونا مطلع العام الجاري، لكن جذورها ترجع إلى حقبة حيدر العبادي (2014 – 2018)، الذي قرّر خفض حصة «الإقليم» من إجمالي الموازنة الاتحادية إلى 12.5 بالمائة، بعدما كانت في عهد سلفه نوري المالكي تتجاوز الـ17 بالمائة. وترفض أربيل تسليم بغداد العائدات المالية لـ250 ألف برميل من النفط يومياً، وتطالب - في الوقت عينه – بتسديد مستحقاتها من الموازنات، الأمر الذي أحدث تراكماً عبر السنوات الماضية، ولّد غضباً في الشارع الكردي، الذي طالب أخيراً بغداد بفرض سلطتها على «الإقليم» عموماً، والسليمانية خصوصاً. وعلى الرغم من إعادة حكومة عادل عبد المهدي (2018 – 2019) دعم «الإقليم» بمبلغٍ قدره 450 مليار دينار عراقي شهرياً (378 مليون دولار أميركي/ دُفع لثلاث مرّات)، غير أن رئيس الوزراء الحالي، مصطفى الكاظمي، عاد وخفّض المبلغ إلى 320 مليار دينار عراقي (270 مليون دولار أميركي/ دُفع أيضاً لثلاث مرّات)، ما جعل الموظفين الأكراد من دون أيّ راتب لـ7 أشهرٍ متواصلة.
وفي حديثها إلى «الأخبار»، تؤكّد مصادر كردية مطلعة أن «عائلة بارزاني، ومنذ سنوات، ترفض تسليم الحكومة الاتحادية واردات النفط، في وقتٍ تفرض فيه ادّخاراً إجباريّاً على موظفي الإقليم، ويتمثّل ذلك باستقطاع نسب من رواتبهم، بحجة عدم تسلّم الإقليم مستحقاته من الموازنة العامة للبلاد»، مشيرةً إلى أنه «أخيراً، وصلت نسبة الاستقطاع إلى 21 بالمائة، وهذا مؤشّر جدّي إلى أنه لا أحد يعلم أين تذهب الواردات النفطية المُصدّرة من الإقليم».
وكأيّ مواطن عراقي كفل الدستور حقه، يطالب الموظف الكردي براتبه على غرار الموظفين في بغداد والمحافظات الأخرى، لكن الأمر وصل في الآونة الأخيرة إلى حدّ مطالبة المتظاهرين في السليمانية وحلبجة، بحسب المصادر، بالانشقاق عن «الإقليم» ورسم خارطتين جديدتين لهما، كالآتي:
1- تكون محافظتا السليمانية وحلبجة كـ«إقليم» منفصل يتمتع بالصلاحيات المالية والإدارية، ويخوض الحوار بشكل مستقلّ مع بغداد، وهو مقترح قد يكون بعيداً عن التطبيق، لكنه مؤشر إلى حالة الانقسام في «البيت الكردي».
2- ثمّة مقترحات طرحتها بعض الشخصيات الكردية تستند إلى ربط موظفي المحافظتين بالحكومة الاتحادية مباشرة، لتجاوز العراقيل التي أنتجتها الخلافات بين بغداد وأربيل، والفساد في سلطة «الإقليم».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا